
تفاجأت الشعوب العربية مؤخرا بانعقاد القمة العربية والإسلامية الطارئة لبحث الهجوم الإسرائيلي على دولة قطر. وقد استضافت هذه القمة 54 دولة عربية وإسلامية. وبدا التفاؤل الإعلامي كعادته يلوح بكلام كثير في الأفق البعيد وكأن هذه القمة سيكون لها ما بعدها. وبالرغم من أن هذه الشعوب لا ترى في القمم العربية شيئا يمكنه أن يغير حالها وحال دولها الغارقة في مشاكل لا حصر لها، فإنها تقول بلسان حالها “فمن يديري لعل الله يخرج الحي من الميت، أو يحدث بعد هذا أمرا”. والحق يقال فقد توالت أعداد هائلة من القمم والمؤتمرات العربية لعقود خلت ومع ذلك استمرت المعاناة نفسها وبقي الوضع على ما هو عليه، بل زادت حدته أكثر من ذي قبل.
لا أحد في العالم أصبح يصدق القادة العرب في كلامهم أو يعبأ بما يخوضون فيه من سياسات لا تمت بصلة بواقع الشعوب العربية، لا أحد أصبح يقبل كثرة الكلام مع كيان أصبح يفعل ما يقول، بل يفعل أكثر مما يقول غير مكترث بالنظام العالمي والقانون الدولي والمؤسسات الأممية التي بدأت تسلك مسلك عصبة الأمم، وتنتظر مصيرها. لأن هذا الكيان المارق أصبح يمثل واقعا عالميا جديدا لوحده بل ويفرضه بالقوة على كل العالم مدعوما بطبيعة الحال بتيار صهيو-أمريكي يعتبر خدمة الكيان الإسرائيلي جزء من عقيدته الانجليكانية المتطرفة.
ولعل المداخلات التي ألقاها عدد من قادة ورؤساء هذه الدول في القمة، ليس فقط على مستوى النص وإنما حتى على مستوى المضامين التي حملتها هذه المداخلات، كانت فاقدة لكثير من الأشياء ليس فقط لروح المقاومة والنضال والعقيدة التي تجمع قادة هذه الدول، بل وفاقدة أيضا لحس الإنسانية.
فمن خلال قراءة سريعة للبيان الختامي للقمة، يتبين جليا أن الامر لم يتجاوز حدود التنديد والشجب وحتى في أقصى مراحله لم يكن “شديد اللهجة” الأكثر من هذا يكن بحجم ومستوى الظلم والدمار الشامل الذي لحق بغزة في فلسطين المحتلة، وكم أجد الأمر مضحكا في استعمال البيان عددا من هذه الكلمات المنتهية الصلاحية والمنتمية لحقول معجمية جامدة لا حركة فيها بل مصطلحات رثة وبالية لم يعد أحد يستعملها إلا من طبّع مع الرذيلة والجبن السياسي، بل ومستفزة في كثير من الأحيان. إن استعمال أفعال ومصطلحات من مثل: نؤكد، ندعم، ندين، نشيد، نرفض، نرحب، لم يعد يحرك وجدان الشعوب اللهم الازدراء البالغ للسياسة الرسمية لدول وحكومات عربية وإسلامية لم تعد تمثل إلا نفسها.
لقد ركزت القمة العربية والإسلامية من خلال بيانها الختامي على مستويات عدة من سياساتها اتجاه الكيان الغاصب نجمل منها ما يلي:
1. استمرار نفس البروتوكولات الفارغة خلال الاستقبال والتواصل وإلقاء الخطب، مع ما يحكمها من عقلية انتظارية تغيب فيها كل إرادة نحو الفعل السياسي وصناعة الحدث.
2. استمرار اعتبار الوساطة أمرا ضروريا لأجل فرضه على الكيان الغاصب بدعوى الرغبة في أمن واستقرار المنطقة، بالرغم من أن رئيس حكومة الكيان يقصف الوساطات والوسطاء ويتلاعب بالشخصيات التي تقودها مثلما تلعب الطفلة بلعبتها.
3. غياب أي حديث عن خطط عاجلة وواضحة لوقف الحرب على الفلسطينيين في غزة، أو ابتكار أي خطة لإدخال المساعدات للقطاع ووقف خطة التجويع التي ينهجها الاحتلال.
4. غياب أي أوراق سياسية واستراتيجية للضغط على الكيان لأجل ثنيه على المضي في الإبادة الجماعية لأهلنا في غزة.
5. غياب أي ذكر صريح لخطط تنظيم عسكري أو تصنيع حربي موحد أو تحالفات لأجل النفير.
6. غياب أي دعوة في القمة لإنخراط العلماء المسلمين في مسيرة دعم المقاومة وبناء صرح الأمة التي يتهددها العدوان الصهيوني.
7. استمرار اعتبار حل الدولتين حل لا غنى عنه كما لو أنه وحي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، مع غياب الرؤية الواضحة لما يجب أن يكون عليه الوضع في فلسطين المحتلة وفي المنطقة ككل، علما أن الصهاينة في السابق لم يقبلوا بهذه الدولة المقسمة ويعلنونها صراحة أنهم لن يسمحوا بقيام دولة فلسطينية.
8. الدعوة إلى مشاريع سياسية مستقبلية وهي في الحقيقة سريالية لأنها لا تنسجم مع السياق السياسي والتاريخي ومنها مؤتمر حل الدولتين الذي سوف ينظم يوم 22 من شتنبر 2025 بنيويورك.
9. يلاحظ من خلال بيانها الختامي، أن قمة الدول العربية والإسلامية بقطر تتمسك بأي خيط من خيوط السراب حين تدعو إلى تفعيل القرارات الأممية التي لم تعد لها أية قيمة داخل النظام العالمي الجديد الذي تفرضه دولة الكيان الغاصب على المنطقة وعلى العالم من خلال نهجها لسياسة الأرض المحروقة في فلسطين.
10. يلاحظ مرة أخرى، وهنا مربض الفرس، أن لا رغبة ولا قدرة للدول العربية والإسلامية على إيقاف العلاقات مع الكيان، وأن التطبيع فعل فعله في هذه الدول حين وحد كلمتها على إبقاء العلاقة مستمرة حتى يومنا هذا بالرغم من الإبادة الجماعية المباشرة لأهلنا في فلسطين. أما القمة فقد نأت بنفسها عن هذا الامر لتتخذ كل دولة قرارها “السيادي” بقطع العلاقة أو تمديدها أو تجميدها من خلال تقييمها الخاص لعلاقتها مع الكيان، وقد كُشف النقاب على هذا الأمر في الندوة الصحافية الرباعية الفضفاضة التي جمعت كل من الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، ومساعد الأمين العام للشؤون السياسية لمنظمة التعاون الخليجي، و رئيس مكتب الأمين العام بجامعة الدول العربية وطبعا مسير الندوة.
وختاما، ومن خلال ما سبق، لا يمكن حاليا للشعوب العربية أن تنخرط بهذا النوع من الفاعل السياسي الانتظاري، الإنهزامي والقاعد عن الحركة في مشروع نهضوي حقيقي لتبني مستقبلها كدول حقيقية وليس ككيانات تافهة لا قيمة لها بين الدول. ويا ليت هذا الفاعل السياسي كان كذلك، بل كل الإشارات السياسية تفيد أنه متورط في فساد كبير يضرب من خلاله مقدرات هذه الامة كي تنهض وتمتلك ثروتها وقرارها دون إملاءات من غيرها، حقيقة وبدون مزايدات لدينا أزمة رجالات دولة.




