رأي

قراءة نقدية للحصيلة الحكومية

بقلم الدكتور نورالدين قربال

توطئة:

أكد رئيس الحكومة عزيز اخنوش بمجلس المستشارين يوليوز 2025 على أن ما حققته الحكومة يروم إرساء أسس اقتصاد حديث ومتطور، وتحقيق طموح مشترك في مشروع مجتمعي مستدام، يجمع بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، بما يضمن الاستجابة لانتظارات كل المغاربة والارتقاء ببلادنا للمكانة التي تستحقها على الصعيدين القاري والدولي.

بناء على هذا التفاؤل المبالغ فيه هل يمكن أن نعتبر الواقع المعيش متطابقا مع ما ذكر؟ هل فعلا يمكن الحديث عن وضع مالي واقتصادي واجتماعي مريح اليوم؟

تقويم أسس الخطاب الحكومي:

من أجل تبرير الحصيلة الحكومية يقارن دائما رئيس الحكومة بالسنوات السابقة، ليبرر أن ما كان سائدا فيه إشكالات وما جاءت به الحكومة الحالية حلولا ناجعة للإشكالات التي كانت مطروحة. هذا خلل منهجي كبير وعميق ولا يصدر إلا عن جهة فقيرة سياسيا، وتركب الغاية تبرر الوسيلة. لو اعترفت بالإنجازات السابقة ونهجت أسلوبا تكامليا في إطار التراكمات لكان أحسن. لكن لا حياة لمن تنادي.

إذن كيف أخرج رئيس الحكومة الوضع من عدم اليقين إلى اليقين؟ ماهي الرؤية الحكومية للأبعاد الجيوسياسية وتأثيرها على وضع السياسات العمومية؟ كيف تعاملت الحكومة مع المخاطر المناخية؟ كيف تعاملت مع التضخم؟ كيف واجهت آثار الجفاف؟ ما هي الحصيلة الفلاحية لرجل قاد المخطط الأخضر ما يربو على 18 سنة إذا أضفنا مرحلة رئاسة الحكومة؟ هل صانت الحكومة كرامة المواطنين وتحسين ظروفهم المعيشية؟ كيف تعاملت الحكومة مع إشكالية البطالة؟ كيف تتم عملية الاستثمارات؟ هل قومت الحكومة مشروع الحماية الاجتماعية؟

لا غرو أن الحكومة لو أجابت على هذه الأسئلة بكل موضوعية وشفافية لوجدت نفسها أنها للأسف أهدرت سنوات من الزمن التنموي، باستثناء المشاريع الاستراتيجية التي يشرف عليها فعليا جلالة الملك. ولكن يصدق على العمل الحكومي المثل المشهور “جعجعة بلا طحين”.

نذكر الحكومة بالعناوين الكبرى لبرنامجها الحكومي 2021-2026 والذي ركز على مدخل عام تلتزم فيه الحكومة ب: الإصلاح السياسي والديمقراطي، والجهوية المتقدمة، النموذج التنموي الجديد، تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، الاهتمام بمغاربة العالم وقضايا الهجرة.

بناء على هذا رسمت محاور نوجزها فيما يلي: تدعيم ركائز الدولة الاجتماعية، مواكبة تحول الاقتصاد الوطني، من أجل خلق فرص شغل للجميع، حكامة في خدمة المواطن وإدارة فعالة. أتمنى أن تقوم الحكومة بنقد ذاتي لما التزمت به، وتطرح ما حققته من إيجابيات وتبرز الإخفاقات بدون استعلاء وتنكر لما أنجز من قبل بروح رياضية عالية.

إحصاءات رقمية معبرة

إن الإحصاءات مؤشر ناطق على نسبة الإنجاز، ولا يمكن تجريدها على الخلفية السياسية. لكن تحاول الحكومة أن تركب خطابا عاطفيا ولو سقطت في تغييب الحقيقة المرة. من أجل تبيان ما وقع نستحضر التصنيفات والتراجعات التالية: أشير ابتداء أن رئيس الحكومة كلما انتقد عمل الحكومة يردد في الحوار الأخير شتنبر2025 “أغراض سياسية وخلق البوز”. وهذا مخالف للتداول الديمقراطي الذي لا يخلو من تقويم، لأنه للأسف ينطلق من موقع استعلائي “تجربتنا الحكومية مثالية ونشتغل بمنطق الالتزام والجدية”. لقد حلم أفلاطون بالمدينة المثالية وربما السيد عزيز أخنوش حققها.

حسب التصنيف العالمي احتل المغرب الرتبة 107 على مستوى التمثيل، و77 بالنسبة للحقوق، و103 مؤشر سيادة القانون، و94 مؤشر المشاركة، مع تراجع كبير لمؤشر حرية الصحافة. لقد أكدت المندوبية السامية للتخطيط أن الفوارق الاجتماعية تفاقمت، وأصبحت الهشاشة ضاربة المدن والقرى.

إن الحصيلة الحكومية خيبت الآمال لأن المنطلق كان مغلفا بالباطل وما بني على باطل فهو باطل. لقد أصلت للهشاشة الاجتماعية حيث بلغت نسبة البطالة 12 في المئة، فهل فعلا حققت الحكومة 600 ألف منصب؟ بماذا يفسر السيد رئيس الحكومة الأسعار الصاروخية التي ترتفع بنسب خيالية؟ إنه للأسف يدعي بأنه لا دخل له في الأسعار فهي تخضع لمنطق العرض والطلب. إذا كان الأمر كذلك من يقوم الاختلالات والتجاوزات؟ أين هو دور الحكومة؟ أما التعليم والصحة فحدث ولا حرج. لكن السيد رئيس الحكومة يدعي بأنه سيحدث التوازن بين القطاعين الخاص والعام خلال 3 سنوات على المستوى الصحي وكل المؤشرات مخالفة لذلك. لكن لا بأس أن يحلم السيد الرئيس بالعودة من جديد؟

إن الحكومة تتكون من ثلاثة أحزاب، مركزيا وترابيا وكلها تتحمل مسؤوليتها في العمل الحكومي والترابي. إن الفشل بارز في الفراغ السياسي، وضعف المؤشرات الاقتصادية مما أثر على السياسة النقدية وانعكاساتها على القدرة الشرائية للمواطنين. إن التشريع المقترح من قبل الحكومة إشكالية كبيرة سواء بالنسبة للقضاء والصحافة والتعليم وهلم جرا لأنها لم تعتمد على التوافقات حتى تعم الفائدة وإنما تفاخرت بأغلبية رقمية للأسف الشديد.

أمام هذا العجز توقف الحوار مع الحكومة في عدة قطاعات للأسف الشديد. أما الخطاب السياسي فحدث ولا حرج مما تولد عليه غياب التواصل السياسي.

وأخيرا وليس آخرا

لا يمكن أن تمر حكومة دون أن تحقق الإنجازات، هذا كلام موضوعي، لكن حكومة السيد عزيز رغم بعض الإيجابيات فإنها تفتقر إلى الأساس في الفعل الحكومي البعد السياسي، مما جعلها تسقط في أعطاب كثيرة أهمها ربط المسؤولية بالمحاسبة واحترام قواعد الحكامة الجيدة، وعدم تبيان الحقيقة للمواطنين رغم أن كل شيء أصبح واضحا للجميع لأن الواقع لا يرتفع. هل فعلا “الأغلبية الساحقة في الحوز فرحانة”؟ كما صرح رئيس الحكومة في حواره الأخير. هل فعلا عدد المستفيدين من برنامج “راميد” 10 ملايين بدل 18 مليونا كما كان سابقا؟ هل فعلا 51 ألف” دار تبنات وتسكنات بالحوز”؟ هل الحكومة هي التي وفرت الماء الصالح للشرب في البيضاء والرباط؟ كيف يجمع رئيس الحكومة بين موقعه السياسي والاستفادة من صفقات الدولة تحلية مياه الدار البيضاء نموذجا؟ هل تمت مراعاة المذكرة التأطيرية لرئيس الحكومة لمشروع قانون المالية الخطاب الملكي لعيد العرش 2025؟ ما هو تصورها لإصلاح أنظمة التقاعد؟

صفوة القول إن الحكومة الحالية خيبت الآمال، والواقع المعيش مؤشر لهذه الخلاصة، والواقع لا يرتفع. لقد تسببت في مشاكل مستقبلية عدة، وتبقى ما تقوم به إجراءات ترميمية لا تمس عمق المشاكل المطروحة. لهذا كله نتمنى أن تكون استحقاقات 2026 شفافة وعادلة خاصة ونحن مقبلون على تظاهرات إقليمية وعالمية، مستحضرين الأبعاد الجيوسياسية والاستراتيجية التي تطغى على العالم اليوم. لذلك قال الشاعر الإنجليزي “شكسبير” كن أو لا تكن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى