مجتمع

حين يصبح “فنجان قهوة” أداة ابتزاز.

الدكتور محمد الكزولي

لم تعد المقاهي في زوايا مدننا وشوارعها المزدحمة ذلك الفضاء الهادئ للراحة، بل تحولت عند الكثيرين من ملاكها ومسيريها إلى مرتع للسلوكيات المشينة التي تثير الاشمئزاز، وتحول المستهلك إلى بقرة حلوب تذر ربحا إضافيا. فخلف الأبواب الزجاجية والديكورات الأنيقة، تتخفى ممارسات لا تليق بثقافة المقهى التي عرفها المغاربة ردحا من الزمن.
أولى هذه الممارسات هي لعبة “الأحجام الخادعة”. يُقدم للزبون كأس يوحي شكله بالكثرة، ليكتشف أن ما يحتويه لا يتعدى قطرات من المشروب. هذه الحيلة تجعل الزبون يدفع ثمن كوب ممتلئ، بينما الحقيقة عكس ذلك. أما عن جودة القهوة نفسها، فيتجرع الكثيرون أنواعاً رديئة لا تبرر أثمانها المرتفعة، مما يطرح علاقة الثمن بالجودة، وهامش الربح الفاحش الذي يجنيه البعض.
وتكتمل الصورة باستغلال بعض المقاهي للفتيات كنادلات بأزياء ضيقة وقصيرة لا تمت لا للأخلاق العامة، ولا لهندام النادل بصلة، مما يسيء لصورة المرأة، ويحولها إلى أداة تسويقية للمقهى، دون الحديث عن الأجور التي لا ترقى إلى نوع العمل وإكراهاته، دافعين النادل عامة والنادلة خاصة إلى التعامل مع الزبون مباشرة بما يسمى ب (pour boire).
ولم يتوقف الجشع عند هذا الحد، بل يمتد إلى احتلال صارخ ومتواصل للملك العمومي. تتوسع فيه الكراسي والطاولات لتستولي على الرصيف بالكامل، فلا تترك للمارة، بما فيهم كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، أي مجال للمرور الآمن، مما يجبرهم على النزول إلى طريق السيارات وتعريض حياتهم للخطر. هذا الاحتلال غير القانوني يتم في كثير من الأحيان “على عينيك أبن عدي” في تحد صارخ للقوانين التي تنظم الملك العمومي.
والأدهى من ذلك، أن بعض المقاهي بدأت تفرض شروطاً مجحفة على زبائنها، كتحديد مدة الجلوس بساعة أو ساعتين، أو إجبارهم على طلب مشروب آخر للبقاء مدة أطول. ولتطبيق هذه الشروط، يتم دفع النادل لتنفيذ الأمر أو حجب خدمة الإنترنت عن الزبون. هذا التصرف يحول المقهى من فضاء عام للراحة إلى مكان مؤقت ومكلف، يطرد زبائنه بطريقة غير مباشرة.
أمام هذا الوضع، لم يعد الصمت خياراً. فعلى المستهلك أن يبدأ برفض هذه الممارسات عبر التعبير عن استيائه ومقاطعة كل من يستغفله. كما يقع على عاتق جمعيات حماية المستهلك التحرك الفوري للدفاع عن حقوق المواطنين والتصدي لهذه الخروقات بكل الإمكانات المتاحة. وندعو مجلس المنافسة إلى التحقيق في الزيادات وعلاقاتها بجودة الخدمة، وكذا في احتمالية الاتفاقات الضمنية لملاك المقاهي مما يضر بمبدأ المنافسة، وأخيراً، يبقى الدور المحوري للسلطات المحلية، للمطالبة بفرض سيادة القانون، وتحرير الملك العمومي، وإنهاء هذا التساهل الذي يضر بالنظام العام وحقوق المواطنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى