
يبدو أن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله ابن كيران، وجد نفسه مرة أخرى مضطرًا لتقديم اعتذار علني، هذه المرة للأخ عبد العزيز أفتاتي، بعد الجدل الذي أثارته كلماته في الجلسة العامة للملتقى الوطني لشبيبة الحزب يوم السبت 20 شتنبر. البلاغ الذي أصدره ابن كيران، والذي جاء بصيغة واضحة: «أعتذر عن استعمال كلمة جارحة…»، يعيد إلى الأذهان سلسلة من الاعتذارات التي صدرت عنه في محطات سابقة، أبرزها حين اضطر إلى التراجع بعد إساءته لصحافي جريدة العمق المغربي.
اللافت في هذا البلاغ أنه يعترف ضمنيًا بحجم الضغط الذي مارسه محبو أفتاتي والمتعاطفون معه داخل الحزب، إذ اضطر الأمين العام إلى تلطيف الأجواء وطمأنة القواعد الحزبية بأنه، رغم اختلافه مع مضمون تدوينة أفتاتي حول المشاورات الانتخابية، ما يزال يكنّ له المودة والاحترام. هذه اللغة تعكس حساسية المرحلة التي يعيشها الحزب، حيث لم يعد يتحمل انقسامات أو صراعات علنية بين رموزه.
غير أن تكرار مثل هذه المواقف يطرح سؤال النضج السياسي لدى ابن كيران نفسه. فزعيم سياسي بحجمه، يمتلك خبرة طويلة في العمل الحزبي والبرلماني والحكومي، كان يفترض أن يزن كلماته قبل إطلاقها، بدل أن يجد نفسه مضطرًا للتبرير والاعتذار بعد كل تصريح انفعالي. تكرار الاعتذارات قد يُفهم أحيانًا على أنه مرونة سياسية وحسن تقدير للمصلحة العامة، لكنه في المقابل قد يعكس ارتباكًا في القيادة، أو نزعة اندفاعية تجعل الزعيم نفسه سببًا في توتير الأجواء بدل تهدئتها.
في المشهد السياسي المغربي، اعتاد الرأي العام على أسلوب ابن كيران الصريح والساخر أحيانًا، وهو أسلوب منح حزبه شعبية واسعة في فترات معينة. لكن ما كان يُنظر إليه سابقًا كجرأة و”عفوية محببة” أصبح اليوم محل انتقاد حتى من داخل بيته الحزبي. القواعد التي كانت ترى فيه رمزًا للثبات والقدرة على المناورة السياسية، بدأت تتساءل: متى ينضج ابن كيران سياسيًا ليتحكم في تصريحاته قبل أن تتحول إلى أزمات صغيرة تفرض على الحزب دفع ثمنها؟
الاعتذار الأخير يكشف أيضًا حجم الحساسية داخل العدالة والتنمية في هذه المرحلة الحرجة، حيث يسعى الحزب إلى استعادة توازنه بعد الهزائم الانتخابية والاهتزازات الداخلية. فبينما أراد ابن كيران توجيه انتقاد لأفتاتي، وجد نفسه أمام موجة من التعاطف مع الأخير، ما أجبره على التراجع وتقديم بلاغ رسمي يخفف الاحتقان.
ختامًا، قد يُسجل لابن كيران أنه لا يجد حرجًا في الاعتذار، وهذه ميزة قلما نجدها في السياسيين. لكن كثرة هذه الاعتذارات، إذا استمرت، قد تضعف صورته كزعيم حازم وصاحب قرار، وتحوّله إلى قائد يتسبب في الأزمات بدل أن يعالجها. وبين المرونة والارتباك، يبدو أن ابن كيران مطالب أكثر من أي وقت مضى بمراجعة أسلوبه في إدارة الخلافات، إن أراد أن يحافظ على ما تبقى من رصيده داخل الحزب وخارجه




