
إن قلت إنها سيدة نساء المدينة القديمة فلست أُبالغ.
وإن قلت إنها خادمة القرآن ورافعة لوائه في المدينة القديمة فلست أُجامل.
وإن قلت إن الفضل، بعد الله، يرجع إليها في إنقاذ جيل بكامله وتنشئته التنشئة الصالحة، فلست أقول إلا الحقيقة الساطعة التي لا ينكرها إلا جاحد حاقد.
هي الأخت الفاضلة هدى حلحول… عرفتها وهي صبية في الثامنة من عمرها بمسجد الحمراء في فترته الزاهرة المطوية. تلك المعرفة الصغيرة استحالت بمرور الزمن إلى عرفان وامتنان، بعد أن صار لها شأن عظيم بفضل اشتغالها الصامت، بعيدًا عن الأضواء والأبواق، على القرآن حفظًا وتحفيظًا، حتى خرّجت أفواجًا من الحفّاظ والحافظات الذين نعدّهم اليوم مفخرة ونقطة مضيئة في سماء المدينة القديمة.
وفي ظل اندراس زمن الكتاتيب القرآنية التي كانت تؤثث أزقة ودروب المدينة القديمة، واندثارها، جاءت جمعية الرحمة في درب القصب، حيث تبرز هدى حلحول كفاعلة متميزة فيها، لتسد هذا الفراغ الكبير. كأنما استلمت المشعل وشقت طريقًا لا يقوى عليه إلا الأشداء، ومضت بعزيمة لا تفل، حتى بلغت هذا المجد السامق الذي يستحق التثمين والدعم من الوزارة الوصية، ومن القائمين على الشأن المحلي، ومن كل غيور على كتاب الله ودينه ومدينته.
في مقر الجمعية بدرب القصب، حيث يحق لسكانه أن يفخروا بما أحدثته الجمعية من أثر، تدبّ الحياة كخلية نحل لا تهدأ. أصوات الصبية والصبيات تتعالى بتلاوة القرآن، مدعومة بالكتاب القرآني الإضافي في درب بن سلام، الذي فُتح ليستوعب الأعداد الكبيرة التي وجدت في الجمعية صدقًا وجودة في التلقين، فاطمأن إليها أولياء الأمور والراغبون في حفظ آيات الكتاب المبين.
لم تكن هدى وحدها في هذا الجهد، بل ساعدتها أخوات فاضلات لا ينبغي أن نغمط حقهن، وسندها في ذلك مشايخ حفظة وقراء كبار، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر: الشيخ الشاعري رحمه الله، الشيخ محمد الموارد رحمه الله، والشيخ بنكيران حفظه الله.
ومن تواضع الأخت هدى وأصالة معدنها أنها كانت – ولا تزال – تقول لي كلما لقيتني: “أنت أستاذي”… تقولها بصدق وملء فيها، فأخجل من نفسي أمام ما تفوتني به مما في صدرها من القرآن، وما يفيض من عطائها.
لله دركِ يا هدى! أيتها المنارة… أمام شموخكِ وعظيم بذلكِ أنحني.
وللموضوع عودة…




