
لم أجد متعة للنشر منذ مدة بسبب الأحداث العظيمة التي تجري في أرض فلسطين، والتي يراد لها شرا من الأشرار، غير أن يقيني في ربي أن حزبه هم الغالبون المنصورون:” وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ”[الصافات: 171-173].
إلحاح للقول:
ـــــــــــــــــــــ
وقد ألح علي أن أكتب شيئا يتعلق بما ذكره الشيخ الحسن الددو أخيرا عند حديثه عن النكبات الست، وذكر منها: نكبة موت رسول الله صلى الله عليم وسلم من غير أن يكتب لنا دستورا، يبين لنا كيف نختار الحاكم، وكيف نحاسبه ونعزله…
ما قولكم في حق هذا القول؟ وهل صحيح أن الأمة نكبت بعدم بيانه صلى الله عليه وسلم للحكم ونظامه أم لا؟
للأسف:
ـــــــــــــــــ
عندما يتكلم العالم على غير مألوف الناس، فإننا نجد المتكلمين من الخاصة والعامة أصنافا:
* منهم من يحاكم العالم لسقف معارفه، فالحق هو ما عنده ويعتقده، والباطل ما خالف معلوماته. وهؤلاء للأسف قد جمعوا العجب والظلم.
* ومنهم من يحاكم العالم من جهة الانتساب، وهؤلاء إذا صدر عمن هو من جهتهم قبلوا قوله على أي شكل كان، ومن كان على غير مشربهم تكالبوا عليه. وأسوأ هؤلاء الذين يتركون الموضوع للرد عليه وبيان انحرافاه، فينطلقون في استخراج سيرته، والإساءة إلى تاريخه.
* ومنهم من يتسفل في القول مع أنه ليس في العير ولا نفير الناس، ولكنه يظاهر من يتبعهم ويسير على وفق ما يقررونه له ولأمثاله.
الغلط وارد:
ــــــــــــــــــ
والعالم إذا تكلم فحقه على الأمة يجب أن يكون محفوظا أصاب أم أخطأ. لأنهم ملح البلد وزينة الدنيا، وقد أمروا بالصدع بالقول، ولا أحد من الخلق قد ضمنت له العصمة. والعلماء مثل سائر الناس يصيبون ويخطؤون، وهم إذا أخطأوا فقد ضمنت لهم الشريعة الأجر حتى لا يتهيبوا من الحديث.
ولما تعرض الإمام الذهبي لحجة الإسلام الغزالي وما ينقم البعض عليه بتسفل ما يرون خطأه فيه، قال رحمه الله:” الغزالي إمام كبير، وما من شرط العالم أنه لا يخطئ”( سير أعلام النبلاء).
النكبة في عدم بيان الحكم:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اختلف الصحابة رضي الله عنهم في موضوع كتابته صلى الله عليه وسلم دستورا للأمة يفصل لها الحكم الرشيد ، فكانوا فريقين بارزين:
الفريق الأول:
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
كان يرى أن يبين صلى الله عليه وسلم لأمته طريقة الحكم الرشيد وقانونه حتى لا يقع الاختلاف، ولا يتنازع الناس بعده، ويتجنبوا الفتنة والضلال. وحيث لم يقع، فهذه نكبة وأي نكبة. وهذا اختيار ابن عباس رضي الله عنه ومن تابعه في رأيه، وهو ما ذهب إليه سفيان بن عيينة…في آخرين من أهل العلم.
الفريق الثاني:
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
ويتزعمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويرى أن عدم البيان هو الأوفق بالأمة والأصلح لها. قال الخطابي وهو يتحدث عن هذا الفريق بعد حديثه عن الفريق الأول:” ووجه ما ذهب إليه عمر أنه لو زال الاختلاف بأن ينص كل شيء باسمه تحليلا وتحريما لارتفع الامتحان، وعُدم الاجتهاد في طلب الحق، ولاستوى الناس في رتبة واحدة، ولبطلت فضيلة العلماء على غيرهم…فاستصوب عمر هذا الرأي وقدمه على رأي من ذهب من الصحابة إلى خلافه”( أعلام الحديث/شرح صحيح البخاري).
حديث النكبة:
ــــــــــــــــــــــ
وهذا الاختلاف في موضوع بيان دستور حكم المسلمين من تركه، هو المعروف عند العلماء بحديث النكبة، أو ما اشتهر بحديث الرزية، أو حديث: رزية الخميس.
والرزية، هي المصيبة، والفجيعة، والنكبة.
وقد أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن ابن عباس أنه قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط، قال: قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع. فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية، ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه”(البخاري ومسلم).
فسمى ابن عباس صاحب رأي البيان في الحكم الرشيد الترك النبوي بأنه رزية ومصيبة ونكبة، بل هي كل الرزية. ولم ينكر أحد من أهل العلم على حبر الأمة تسمية ما وقع بأنه نكبة ورزية، كما لم ينكروا عليه تسمية مضمون الحديث بذلك.
ليس رزية:
ــــــــــــــــــ
وحجة الفريق الذي رأى الترك النبوي لبيان الحكم الرشيد يتأسس على الأدلة الآتية:
الدليل الأول:
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكمل ربه لأمته الدين وأتم عليهم النعمة. ولم يلتحق عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى إلا بعد أن وقع البيان لجميع ما يحتاجونه من أصول الدين وفروعه. وبه ألف شيخ الإسلام رسالته في الدفاع عن هذا الدليل رسالته المشهورة: معارج الوصول في أن أصول الدين وفروعه قد بينهما الرسول”.
الدليل الثاني:
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
إن الدين بأصوله العظيمة قرآنا وسنة قد أسسا ووضعا للأمة قواعد وكليات وأصولا ومقاصد في السياسة والحكم الرشيد، ولم يتكلم عن بعض تفاصيل هذا الحكم، وذلك حتى يُقّدِّر أهل الحل والعقد في كل زمان ومكان الأنسب لهم، ويجتهدوا في تنزيل هذه القواعد والكليات…ويبدعوا في الجواب بأجوبة شتى.
الدليل الثالث:
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
وإن أمام المسلمين جميعا تجربة نبوية في الحكم وإدارته، وهي تطبيق عملي لهذه التنزيل، يتأسون بها في روحها، ويهتدي المهتدون بسننها.
الدليل الرابع:
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
إن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان يرى أن البيان لزمه في هذا المجال ما تركه، اتفق الناس أو اختلفوا. ومن هذا الترك للبيان عندما تنازع الصحابة عنده كما قد سبق ذكره، استفاد كثير من أهل العلم قاعدة شرعية مفادها: أن ترك البيان دليل على عدم التشريع. قال ابن عاشور:” ومن علامات عدم قصد التشريع عدم الحرص على تنفيذ الفعل، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في مرض الوفاة: “آتوني أكتبْ لكم كتاباً لن تضلوا بعده”( مقاصد الشريعة الإسلامية).
والله الموفق والمستعان.




