رأي

خطة ترمب و”انتصار” الجبناء

بقلم مولاي اسماعيل العلوي

ونحن نتابع خطة الرئيس ترمب التي عرضها مزهوا بها رفقة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، الذي يتلقى ضربات رجال المقاومة المؤلمة، ولم يحقق أيا من أهدافه المعلنة، نتذكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر، المعروف بدهائه السياسي وقدرته العجيبة على تحويل هزيمة عسكرية في الميدان إلى انتصار دبلوماسي إسرائيلي عبر المفاوضات، فقبل نصف قرن (1973) فوجئت “اسرائيل” ومعها الولايات المتحدة بصدمة قوية بسبب النجاح العسكري للقوات المصرية والسورية، إذ تكبدت “إسرائيل” خسائر فادحة في الأيام الأولى، وقد اعترف كيسنجر نفسه بعد ذلك بأنهم من هول الصدمة لم يعرفوا من بدأ الحرب؟! وكانوا يعتقدون أن “اسرائيل” هي التي بادرت بها، ويضيف ان الخبر وصله على الساعة السادسة صباحا وإلى حدود منتصف النهار لم يستفيقوا من الصدمة واحتاج الأمر يومين كاملين لتقييم الوضع ليدركوا أن الجيوش العربية سجلت نجاحا باهرا، وفي هذه اللحظة، ظهر الدور الحاسم لكيسنجر في إنقاذ “إسرائيل” وتحويل مسار الأحداث عبر الجسر الجوي الأمريكي فقد كانت “إسرائيل” فعلا على وشك الانهيار التام عسكريًا، فسارع كيسنجر إلى إمداد “إسرائيل” بالذخائر والمعدات الأمريكية الحديثة بسرعة فائقة، ثم اقحم بلاده كوسيط في المفاوضات التي كانت بطبيعة الحال لصالح إسرائيل، إذ عمل كيسنجر ببراعة لضمان أن تبقى “إسرائيل” صاحبة اليد العليا في المفاوضات، وبعدها فتح الطريق معبدا لاتفاقية كامب ديفيد للسلام (1978)، وهكذا حول كيسنجر التفوق الميداني العربي إلى مجرد ورقة ضغط أدت إلى مفاوضات تم تصميمها لتصب في مصلحة الأهداف الاستراتيجية ل”إسرائيل” والولايات المتحدة الامريكية، وهو التاريخ الذي يعيد نفسه امام اعيننا الآن ونحن على بعد ايام من الذكرى الثانية للصدمة التي تلقاها الكيان الصهيوني في السابع من اكتوبر، وعجز “اسرائيل” التام عن تحقيق اهدافها العسكرية، وتعويض ذلك بالمجازر والإبادة الجماعية والتدمير الشامل لقطاع غزة وتجويع سكانها المدنيين، ومحاولة تهجيرهم، خارج ارضهم، وهو جبن واضح، حيث يعجز الجيش الذي لا يقهر عن مواجهة المقاتلين وينتقم من المدنيين ولا بأس ان نقف عند بعض المحطات من هذا الكيان الجبان ونحن نقترب من ذكرى الطوفان..

إطلالة تاريخية:

منذ فجر التاريخ كانت الانجازات العسكرية والانتصارات الكبرى تنحت دهاء القادة ومهارات الفرسان، وكان ميدان المعركة هو المصنع الحقيقي للشجاعة والبطولة والاقدام، حيث تجد القائد العظيم يتقدم الصفوف ويغامر بحياته بين جنوده ويلهمهم قبيل التحام الجيشين، وفي وطيس المعركة يتبارى الجنود مع أعدائهم وجها لوجه، وبين غبارها يتنافسون في إبراز مهاراتهم الفردية والفريدة، إذ تظهر البسالة ويتميز الشجعان، فقبيل كل انتصار مغامرة تحبس الانفاس وشجاعة تقاس..

أما الاغتيالات السياسية فكانت تعتمد على رباطة جأش المنفذ حيث كان هامش المخاطرة عاليا، ففي كل حركة خطر..

​ولكن في عصرنا الحالي أضحى كبار القادة يتوارون وراء “الصفوف”، وترى القائد الاعلى يقود المعركة عن بعد من غرفة قبو محصن ببطاقات مرور مشفرة! بل تراه يفر راكضا -بعد سماع أول صفارة إنذار- إلى اقرب ملجإ آمن!! فقد تحول حسم الحروب في عصرنا من المواجهات المباشرة على الأرض إلى محاولة حسمها بالصواريخ الموجهة من السماء!

فهل حولت التكنولوجيا الحديثة والاسلحة الذكية حتى أجبن الجبناء إلى “أبطال عظماء”؟

وهل مضى حقا زمن البطولة الحقيقية واختفى الإقدام من ساحات القتال والشجاعة الفردية ؟!

لا شك أن تطور الاسلحة والتكنولوجيا الحديثة قد فتح الباب واسعا أمام الجبناء، وقد يتمكن بعضهم من قيادة هيئة الاركان دون أدنى مشاركة له في الميدان! إذ تتكفل الطائرات الحربية بصناعة “المجد” نيابة عن القادة الجبناء، المتعطشون لـ”صورة نصر” إعلامي مهما كانت زائفة..! فباستطاعة التكنولوجيا أن تهدي وسام البطولة للجبان وإن فشل شخصيا في الميدان!

ونحن نقترب من الذكرى الثانية لهجوم السابع من اكتوبر، وسعيا وراء “النصر المطلق” الذي يطارده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للعدالة الدولية، هاهو”الجيش الذي لا يقهر” يحشد نحو 450 ألف جندي احتياط لاحتلال مدينة غزة، لأنه يتوقع وجود نحو 3000 مقاتل من “بقايا” حماس..!

وما أن يُقهر الجيش الذي لا يقهر في الميدان، حتى يحرك طيرانه او فرق الاغتيال لمواجهة “عدوه” في غرفة النوم! فكلما عجز الجيش على الأرض أمام الجناح المسلح، يستهدف الجناح السياسي في مقراته السياسية او في غرف النوم! ويعرف تاريخ “إسرائيل” سلسلة طويلة من “بطولات غرف النوم”

فالجيش الذي تهشمت هيبته ولم يحقق ايا من أهدافه منذ حولين كاملين، ولم يستطع تحرير أسراه بالقوة في بقعة جغرافية محاصرة من كل الجهات بمساعدة مخابرات العالم، لم يجد أمامه، ليشعر بالانجاز، إلا قصف المخابز والمستشفيات والابراج ومراكز الايواء.. ويقوم بتجويع السكان وحرمانهم من كل مقومات الحياة ..

وبما أن جنود الاحتلال لا يتقنون المواجهة والقتال، فإنهم يتفننون في القتل بإبادة المدنيين وممارسة الاغتيال، فلكي تشعر”إسرائيل” بالبطولة فإنها لا “تُحارب” إلا من هو نائم أو عاجز عن الرد!!

وقد توارث رؤساء وزراء الكيان الصهيوني “بطولات غرف النوم”، من غولدا مائير التي ارسلت سنة 1973 أربع سفن حربية محملة بـ75 جنديا ترافقها غواصة و19 زورقا مطاطيا، إضافة إلى مروحيات حربية.. كل ذلك من اجل اغتيال ثلاث قيادات من حركة فتح في لبنان، وكان الهدف مباغتتهم ليلا وهم في غرف نومهم! فهذا هو الدور المركزي للقوات الخاصة التي انطلقت من حيفا إلى سواحل بيروت!

فقد تنكر قائد العملية إيهود باراك بثياب نسائية للوصول إلى المقر المستهدف، وبحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن القيادي أبو يوسف النجار كان على فراشه عندما جرى تفجير مدخل منزله.. فلما اقتحموا الغرفة صرخ بوجههم “جبناء” ، فأطلق الجنود عليه النار! أما رفيقه كمال عدوان فلم يكتفوا بإطلاق 58 رصاصة على جسده، بل بقوا يركلون جسده المسجّى على أرض غرفة النوم أمام زوجته، وكانوا يغنون أناشيد النصر وهم خارجون من البيت!

وتكرر المشهد ذاته في عهد اسحاق شامير، حيث وصلت سفينة حربية إسرائيلية إلى شواطئ تونس سنة 1988 محملة بـ 64 عنصرا وغواصة مرافقة، ومستشفى متنقل، كما كانت تحوم في الأجواء طائرة من طراز “بوينغ-707″،للتشويش على الاتصالات والرادارات، إذ توجهت فرقة الاغتيال إلى منزل خليل الوزير، أحدهم متنكر في زي امرأة، فلما اقتحموا الغرفة أطلق “أبو جهاد” عليهم النار من مسدسه فردوا بالمثل -تحكي زوجته انتصار- فأصابوه في صدره وذراعه اليسرى، وعندما سقط أمامهم جريحا التحقت عناصر اخرى وراحوا يتناوبون على إطلاق وابل من الرصاص عليه، حتى أفرغوا كامل مخزون رشاشاتهم من الذخيرة في جسده الذي اخترقته 76 رصاصة ! وهذه هي البطولة وإلا فلا!! كتيبة كاملة في مواجهة رجل بملابس النوم !!

ولما انتقل الكفاح المسلح إلى المقاومة الاسلامية، أصبح مؤسس الجهاز العسكري لحركة “حماس” صلاح شحادة على رأس قائمة الاغتيالات، بعد تصنيفه على أنه اخطر رجل في فلسطين، وبأوامر من رئيس وزراء الاحتلال حينها ارييل شارون تم تسخير كل الأجهزة من أجل ملاحقة العدو الأول للكيان الصهيوني واغتياله..

ففي تلك الليلة من شهر يوليو 2002 لم ترسل “إسرائيل” فرقة الاغتيال كعادتها لغرفة النوم، بل اختار شارون طائرة إف 16 لتلقي قنبلة تزن طنا من على غرفة الشيخ صلاح شحادة وزوجته، فتحولت أجساد الشهداء، الذين كانوا نياما، إلى أشلاء ممزقة بينهم ثمانية أطفال، وإصابة اكثر من 150 آخرين، فاحتفل فريق الاغتيال بنجاح العملية، وكررها بعد عدة شهور، حيث استهدفت مروحيات الأباتشي الشيخ المقعد أحمد ياسين بثلاث صـواريخ وهو خارج من المسجد على كرسيه فجر 22 مارس 2004 ، لتسجل “إسرائيل” انجازا جديدا يدخل سجلها الاجرامي المتواصل…

وما أن تسلم نتنياهو ولايته الثانية حتى قرر استعادة “بطولات غرف النوم”، وذلك باغتيال محمود المبحوح أحد كبار نشطاء حماس، وكان الهدف اغتيال المبحوح بطريقة سرية وان تظهر الوفاة عادية في غرفة نومه! ولكن العالم كله قد تابع العملية السرية على شاشة التلفاز! حيث وثقت الكاميرات كل حركاتهم! وأعلنت شرطة دبي حينها عن اكتشاف 33 عنصرا من المتورطين في جريمة الاغتيال بجوازات سفر أوروبية من ألمانيا وبريطانيا وإيرلندا وفرنسا، إضافة إلى جوازات إسرائيلية، فكانت فضيحة مدوية!

وفي ولايته الحالية وبعد فشله الذريع في تحقيق “النصر المطلق” على حماس ومحور المقاومة، قرر اغتيال نصر الله ليحظى بصورة نصر! فتحقيق النصر بالاغتيال أسهل لديه من المواجهة والقتال..!

ولكي يضمنوا نجاح العملية بنسبة 99 بالمئة تقررتزويد 14 طائرة مقاتلة بالذخيرة الثقيلة! وتم إلقاء 80 طنا من المتفجرات على رأس نصر الله واستمر القصف عدة أيام لمنع قوات الإنقاذ والطوارئ اللبنانية من القيام بنشاطها، فيجب “ألا يبقى أحد على قيد الحياة” !

وهكذا حولت الاسلحة الفتاكة الجبان إلى مقاتل خارق! فأصبح القادة الجبناء والأغبياء يتفاخرون بقصف المستشفيات والمخابز، ويضاعفون أطنان المتفجرات لتغطية فشلهم، ويهربون من الميدان إلى غرف النوم الآمنة لتحقيق البطولات!

ويبدو أن مقاتلي غزة الحفاة، قد أفقدوا “اسرائيل” صوابها، فلما عجزت عن مواجهة كتائب القسام، أرسلت أسراب الطائرات الحربية لاغتيال الوفد المفاوض في بلد الوساطة الآمن! لتضيف إلى سجل “انتصاراتها” المدوية فضيحة جديدة!! ..

فبينما يحتاج جيش الاحتلال إلى نصف مليون جندي، وغواصات، وطائرات حربية لإسكات رجل واحد في غرفة نومه، يحتاج المقاوم الفلسطيني إلى قدميه العاريتين وإرادته الصلبة فقط ليحطم أسطورة الميركافا! ويساهم في زوال الاحتلال..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى