رأي

مظاهرات سلمية راقية بوعي أرقى من الغرب

د. عبد اللطيف سيفيا

بقية الحديث … عرفت جل مدن المملكة ومنها الرباط العاصمة والدار البيضاء وطنحة وأكادير ومكناس … يومي السبت والأحد المنصرمين مسيرات ووقفات احتجاجية حاشدة في غياب تام للأحزاب والنقابات والجمعيات باستثناء مشاركة يتيمة لبعضها والتي وصفت برغبتها في الركوب على الموجة واستغلال المناسبة في الحصول على المساندة وكسب عطف المواطنين وخاصة الشباب والقفز على حبل البوز الاجتماعي لتقوية وضعيتها الحزبية و السياسية التي لا تسمن ولا تغني من جوع ، بحيث فطن بعض الشباب المتظاهرين إلى نواياهم المبيتة والتي تعودت أن تسلك نهجها جل الأحزاب إن لم نقل جميعها في تكريسها واستغلال المواقف والأحداث في استعطاف المواطنين وإظهار التعاطف مع قضاياهم ورفض ومعارضة سياسة الحكومة التي تجدها فاشلة ولا تسير ومصلحة البلاد والعباد ، مع العلم أن المواطنين قد ذاقوا ذرعا من نفس الكأس وتجرعوا منها المر بعد الكلام المعسول والحماسات الكاذبة لمسؤولين حزبيين سابقين ، والأمثلة في ذلك كثيرة ومتنوعة خبطوا بأيديهم على طاولات مجلس النواب ورافعو تحت قبته بأصوات مرعبة ومزمجرة تخلق الرهبة في القلوب ووعودا وردية نسجوا من خيوطها أحلاما جميلة ورائعة بنى عليها المواطنون آمالهم التي تحولت إلى رماد صادر عن نيران غلاء الأسعار التي أحرقت جيوبهم ، غلاء أسعار الخضر والفواكه والمواد الغذائية والأدوية وأبسط متطلبات الحياة وتفشي الفساد بكل تصنيفاته وفي كل مجالات الحياة سواء الفساد الإداري وغيره الذي تغول ليجرف كل حقوقهم ومستحقاتهم، التي يضمنها لهم الدستور ، والتي صودرت بلا هوادة كالصحة والتعليم وحق الشغل وحرية التعبير … واللائحة طويلة راكمتها السنين ولا يمكن حصرها في سطور ، الأمر الذي خلق العديد من الصور البئيسة والكارثية التي عنى من تبعاتها المواطنون بصفة متوالية ومتوالدة أحالت حياتهم اليومية إلى معاناة فعلية وجحيم لا يطاق أدى إلى ظهور ظواهر عديدة وخطيرة تولدت عن هذا الوضع الكارثي الناتج عن عبث التسيير ولا مبالاة المسؤولين بما يجري من تفاقم للأوضاع ، مما أدى إلى فقدان الأمل والتقة في هؤلاء المسؤولين والمؤسسات التي لم تقم بدورها في الحد من هذا العبث ، فجاءت النتائج صادمة بعد أن تحول البحر إلى مقبرة للعديد من الشباب الذين فضلوا المغامرة بأرواحهم هروبا من الواقع المرير المسلط عليهم في وطنهم الذي كان من المفروض أن يوفر لهم سبل الراحة والاطمئنان على ضمان مستقبلهم وجعلهم مواطنين صالحين يمكن لهذا الوطن أن يعتمد عليهم كأسس متينة لبناء مغرب قوي وزاهر ، بالإضافة إلى أن هذا الوضع الكارثي قد حول البلاد إلى بؤر اجتماعية فاسدة انجرف من خلالها الشباب في تيار الإدمان على المخدرات والمهلوسات بكل أنواعها والتي بدورها تسببت في ارتفاع مستوى الإجرام في المجتمع كالسرقة وقطع الطريق والقتل وخلق عاهات مستديمة عضوية ونفسية لدى الشباب وغيرهم ذكورا وإناثا ، لتصب سلبيات ذلك في العديد من الميادين ويخلق عدة مشاكل للدولة هي في غنى عنها …

كما أن الفشل الذريع للحكومة في توفير فرص الشغل للكفاءات وغيرها وتردي الأوضاع الاجتماعية والصحية والتعليمية وكل القطاعات العامة التي من المفروض أنها وضعت لتقديم خدماتها للمواطنين جعل الشباب يحس بشعور عميق في التهميش فأصبحت له رغبة جامحة في التغيير وتحسين الدخل الفردي والرفع من وثيرة التنمية البشرية لتشمل كل القطاعات وجميع الشرائح الاجتماعية ويتم الاعتماد عليه كعنصر فاعل في المنظومة المؤسساتية للدولة .

هذا التهميش المقصود للمسؤولين زاد الطين بلة وأفقد المواطن كل الأمل في ضمان العيش الكريم والرفع من معنوياته ليحس بنفسه يحيا بكرامة مواطن وطني وحر يبادل الحب مع وطنه ويعترف بفضل هذا الوطن عليه ، فيكون حريصا على رد الجميل لبلاده ويصبح فردا صالحا منها ، لأنه يحس بأنها ملاذا آمنا له يضمن له الاستقرار والأمن والأمان والرفاه ويحس بالاعتزاز والفخر بالانتماء له ، الشيء الذي لم يعد يحس به هذا المواطن المغلوب على أمره والمدفوع رغم أنفه على اتخاذ هكذا قرارات جاءت بعد نفاذ الصبر ، ليعبر بها عن امتعاضه من واقع قاس ومرير تسببت فيه حكومة عبثية متسلطة وفاشلة ، فخرج إلى الشارع رافضا ما آلت إليه الأوضاع بسببها غيرة على وطنه ، هذا الخروج الشعبي الغفير الذي يمكن أن نصفه بالراقي نظرا لما اتصف به المتظاهرون المغاربة من وعي كبير في طريقة التعبير السلمي الذي عبروا به من خلال المسيرات والاحتجاجات السلمية التي لم تشهد أي اصطدامات أو مواجهات تذكر ، باستثناء بعض الحالات الشاذة التي يمكن أن نقول بأنها لعناصر مدسوسة او غير واعية بما اقدمت عليه خلال هذه الاحداث ورغبتها في تحويل توجه مظاهرات التي عبر جل المشاركين فيها عن سلميتهم ، مما دفع بالسلطات الأمنية العمومية إلى محاولة التدخل لإجهاض هذه المظاهرات التي اعتبرتها غير مرخصة ، ومنعها بالقوة مما أفضى في العديد من الأحيان إلى استعمال العنف والضرب والاعتقالات التي مورست في حق مواطنين متظاهرين ، لا لشيء إلا للمطالبة بحق يمنحه لهم الدستور ، وعبروا عن ذلك بطرق سلمية وحضارية منقطعة النظير ، يمكن أن نقول أنها الأولى من نوعها على الصعيد الإقليمي والعربي والعالمي ، بحيث حتى بالدول الغربية التي تدعي الديموقراطية والتي تتبجح بمستوى وعي شعوبها ، لم نشهد قط مسيرات أو مظاهرات قامت بها شعوبها ولم تسلم جرتها من فوضى وتكسير للزجاج واقتحام الأماكن العمومية والمتاجر ونهب محتوياتها وإحراق السيارات وحاويات الأزبال … إلى غير ذلك مما يعبر عن غضب هؤلاء المواطنين وتعبيرهم عن هذا الغضب بطرق عنيفة وتخريبية ، عكس ما قام به المغاربة وخاصة مجموعة شبابنا المغربي الذي حمل اسم جيل “z” أو الجيل الأخير ، والذين عبروا فعلا عن علو وعيهم وارتقاء تصرفاتهم في التعبير عن غضبهم بطرق متحضرة وسامية ، نرجو أن تؤخذ بعين العبرة والقدوة الحسنة وتكون رسالة صريحة وواضحة موجهة إلى المسؤولين واتخاذها بعين الاعتبار بمفهوم الجدية لإصلاح ما يمكن إصلاحه وإنقاذ ما يمكن إنقاذه …

وهكذ يمكن وصف المظاهرات الأخيرة بأنها مظاهرات سلمية راقية بوعي أرقى مما تعودنا على متابعته بالدول الغربية المعروف عنها انها تكرس الديمقراطية وتتبنى الحضارة وحقوق الانسان ، والتي كانت في عدة محطات مماثلة عبارة عن بؤر موبوءة بالفوضى والهمجية ، من عنف وتكسير ونهب وحرق وكل مظاهر العنف الممنهج ، مختومة بطابع الانتقام الشعبي أو الحزبي والنقابي وغير ذلك ، مما يغيب تماما عنصر الإنسانية والمصلحة العامة وتغليب مصلحة البلاد .

لهذا فيجب استغلال هده الرسائل التي لم تعد مشفرة من الشعب المغربي شبابه وشيوخه ، نسائه ورجاله ، الذين يريدون الحفاظ على ماء وجه البلاد ومؤسساته العليا ورموزه ومقدساته التي يكن لها الحب الكبير والاحترام والود والاعتراف بالجميل ، لاتخاذ القرارات العاجلة والصائبة وتصحيح الوضع ، دون ترك فسحة لاعداء الوطن الذين يترصدون الفرص لخلق البلبلة في صفوفنا وتكريس الفتن والتفرقة والمشاحنات … فحفظ الله بلدنا آمنا من كل النوايا السيئة وابقانا مجتمعين ، متعاونين ومتضامنين منضوين تحت كلمة واحدة وشعار خالد هو ” الله ، الوطن ، الملك ” وعاش المغرب حرا أبيا ولا عاش من خانه … وللحديث بقية …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى