
تعد المحافظة على الأمن من أعظم الواجبات الشرعية والعقلية، إذ لا تستقيم حياة الناس ولا تستقر المجتمعات إلا في ظل أمن شامل يحفظ الأنفس والأموال والأعراض، ويُؤمّن للناس شروط العيش الكريم ومقومات الاستقرار. وقد جاءت الشريعة الإسلامية لحماية الضروريات الخمس: الدين، النفس، العقل، النسل، والمال، وهي مقاصد لا يمكن صيانتها إلا في بيئة آمنة يسودها النظام، وتُحترم فيها الحقوق، وتُمارَس فيها الواجبات. فالأمن ليس مجرد مطلب سياسي أو اجتماعي، بل هو مقصد شرعي أصيل، دلّت عليه النصوص القرآنية والنبوية، وأجمعت عليه العقول السليمة، واعتبره علماء الأمة شرطًا أساسيًا لقيام العمران واستمرار الحياة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وقال أيضًا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾، وهما آيتان تُؤسّسان لمبدأ حفظ النفس، وتُحرّمان كل ما يُفضي إلى الهلاك أو الفوضى أو الاعتداء على الأرواح. كما بيّن سيدنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في الحديث الشريف أهمية الأمن بقوله: “من أصبح منكم آمِنًا في سِرْبه، مُعافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا”، فجعل الأمن في مقدمة النعم التي تُقاس بها قيمة الحياة، واعتبره شرطا أساسيا للعيش الكريم ومقدمة لكل إصلاح وتنمية.
ومن جهة العقل، فإن الأمن يُمثل الشرط الأول لقيام العمران، كما أشار إلى ذلك العلامة محمد الطاهر بن عاشور بقوله: “الأمن هو الشرط الأول في قيام العمران، ولا عدل بلا أمن، ولا إصلاح بلا استقرار”. فغياب الأمن يؤدي إلى الفوضى، ويُهدد مصالح الناس، ويُعطل حركة البناء والإنتاج، ويُفسد العلاقات بين الأفراد والمؤسسات، ويُضعف الثقة في النظام العام، ويُمهّد لانهيار القيم وتفكك المجتمع.
وفي المقابل، تُعد المطالبة ببعضالحقوق التي يقصد بها التجويدمن التحسينيات التي تُعزز كرامة الإنسان، وتُرسّخ قيم العدالة والمشاركة. وهي ليست من ضروريات البقاء، لكنها من مكملات الحياة الكريمة، ومن مظاهر الرقي الحضاري. ومع ذلك، فإن بعض الحقوق قد ترتقي إلى مرتبة الضرورة بحسب طبيعتها، ومن ذلك المطالبة بالصحة، فهي في أصلها تدخل ضمن حفظ النفس، أحد المقاصد الكبرى، ولذلك تُعد من الضروريات إذا تعلّقت بالحماية من الهلاك أو المرض أو الإعاقة، أو ما شاكلها، أما إذا كانت المطالبة بتحسين جودة الخدمات الصحية أو توسيعها، فإنها تُعد من التحسينيات المشروعة التي تُعزز الكرامة وتُحسّن مستوى المعيشة.
وقد قرر العلماء أن السكوت عن الظلم ليس من الورع، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أبواب الإصلاح، شريطة أن يُمارس ذلك بوعي ومسؤولية، بعيدًا عن الفوضى والانفعال، وبما يراعي المصلحة العامة ويحفظ وحدة المجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن الفوضى وتخريب الممتلكات العامة وممتلكات الدولة يُعد نقيضا مباشرا لحفظ الضروريات التي جاءت الشريعة لصيانتها، كالنفس والمال والعقل، إذ إن الاعتداء على الممتلكات يُفضي إلى إفساد المصالح العامة، ويُهدد الأمن، ويُعطل الخدمات، ويُشيع الفوضى، مما يُناقض مقاصد الشريعة في حفظ النظام وتحقيق الاستقرار. فالإصلاح لا يكون بإفساد ما هو قائم، بل ببنائه وتطويره ضمن إطار من المسؤولية والوعي.
قال الإمام ابن القيم: “العدل أساس الملك، والظلم مؤذن بخراب العمران”، وهي قاعدة جامعة تُبرز أن العدالة لا تتعارض مع الأمن، بل تُكمله وتُثبّته، وأن الإصلاح لا يتحقق إلا في ظل نظام عادل يُصغي لصوت الناس ويستجيب لمطالبهم المشروعة.
وقد عبّر علماء مملكتنا الحبيبة عن هذا التوازن بوضوح، فقال الشيخ علال الفاسي –رحمه الله-: “الحرية والعدالة لا تُطلبان بالفوضى، بل تُبنيان على الوعي والمسؤولية، وعلى احترام النظام دون الخضوع للظلم”. وهذا القول يُبرز أن المطالبة بالحقوق لا تعني التمرد على النظام، بل تعني السعي للإصلاح من داخله وفي ظله، عبر أدوات سلمية وواعية، تُراعي المصلحة العامة، وتحفظ الأمن الاجتماعي، وتُعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات، وعليه فإن المحافظة على الأمن واجب شرعا وعقلا، والمطالبة بالحقوق حق مشروع، تُمارس بوعي –أي المطالبة بالحقوق-، وتُصان بالحكمة، وتُوجَّه نحو البناء لا الهدم. فالوطن لا يُبنى بالقوة وحدها، ولا يُصلح بالغضب وحده، بل بالعقول التي تفكر، والقلوب التي تحب، والأيادي التي تعمل. والتوازن بين حماية الوطن وصيانة كرامة المواطن هو السبيل الأمثل لتحقيق الاستقرار والإصلاح، بعيدا عن القمع أو الفوضى، وبعيدا عن الاستغلال السياسي أو الانفعالات غير الواعية. إن هذا التوازن هو جوهر المشروع الحضاري الإسلامي، الذي يُراعي مقاصد الشريعة، ويُحترم فيه العقل، ويصان فيه الإنسان، ويُبنى فيه المجتمع على أسس من العدل والأمن والكرامة، في ظل دولة راشدة تُصغي لصوت شعبها، وتُعلي من شأن القانون، وتُؤمن بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا بالعدل، وأن العدالة لا تُصان إلا في بيئة آمنة مستقرة.
فاللهم احفظ بلادنا من كل سوء ومكروه واحفظ أهله جميعا يارب العالمين والله الموفق والهادي إلى الصواب




