
م. إسماعيل العلوي
اليوم 726 من العدوان
بعد الهجوم البطولي المفاجئ والكاسح الذي نفذته ببراعة ونجاح قوات النخبة القسامية يوم السابع من أكتوبر2023، أعلنت “إسرائيل” عن اهدافها من الحرب على غزة، ولخصتها في شعار “النصر المطلق”! ومنذ حولين كاملين والكيان الصهيوني، الذي يتوفر على أقوى جيش في الشرق الاوسط والمدعوم عالميا، وهو يلهث وراء سراب هذا “النصر المطلق”، فقد وقف عاجزا امام فئة صامدة من المقاومين من أهل الأرض الذين لا يتوفرون إلا على إرادة قوية لم تنكسر، وأسلحة بدائية صنعوها بأيديهم!
وقد تربع هدف “القضاء على حركة حماس وإسقاط حكمها” على رأس الاهداف العسكرية من الحرب على غزة، بما فيها تدمير القدرات العسكرية والقيادية، وتفكيك البنية التحتية العسكرية للقسام من شبكة الأنفاق “مترو غزة”! مرورا بمراكز القيادة والتحكم وصولا إلى مخازن الأسلحة ومواقع إطلاق الصواريخ...!
وطبعا لن يحلو “النصر المطلق” إلا بعد “تحرير الرهائنالإسرائيليين سواء كانوا أحياء أو جثامين “، وإعادتهم إلى بيوتهم بالقوة العسكرية.. وإن كان هجوم السابع من أكتوبر قد ضرب هيبة الجيش في مقتل، وهشم قدرته على الردع، فإن “إعادة الأمن للمواطنين الإسرائيليين وتعزيز قوة الردع” يعد من الاهداف الحيوية،فلا بد من ضمان “عدم قدرة حماس على تهديد أو مهاجمة غلاف غزة والمناطق المحيطة في المستقبل“..
ومنذ عامين كاملين والجيش الصهيوني يلهث بدوره وراء “استعادة قوة الردع” التي تاهت بين دهاليز ومتاهات أنفاق غزة! ومازالت المعركة مستمرة لتحقيق “النصر المطلق”! حيث سيتم “نزع سلاح قطاع غزة بالكامل“، ومنع عودة حماس أو أي جهات معادية أخرى لتولي السلطة، وتعيش “اسرائيل” بأمان واطمئنان بين “الاصدقاء” الابراهيميين والجيران!!.
تلك إذن هي الاهداف التي أعلنها الكيان الصهيوني وسخر لها كل الأسلحة الفتاكة، مدعوما بجسر جوي لم ينقطع من الراعية الرسمية الولايات المتحدة الامريكية ومخابرات الدول الغربية، ومرتزقة العديد من الدول الصديقة، ورغم كل ذلك لم يستطع الكيان الجبان تحقيق ايا من اهدافه المعلنة، فمازالت القسام والفصائل المسلحة تؤلم العدو وتسجل في صفوفه مزيدا من القتلى والجرحى، وبدا أن النصر المطلق مجرد وهم يدغدغ به نتنياهو جمهوره المتعطش للدماء، ويخدم هدفه السياسي المتمثل ببقائه في السلطة ويهرب من ملفات الفساد التي تلاحقه منذ سنوات…
وبعد كل حالة احباط في الجيش يخرج نتنياهو مهددا وداعيا حماس للاستسلام، ففي السنة الماضية خرج عبر حسابه على منصة إكس وقال في مقطع فيديو:“نحن نقاتل حتى النصر..لن نوقف الحرب حتى نكمل جميع أهدافها: القضاء على حماس وإطلاق سراح جميع الرهائن لدينا، على حماس إما الاستسلام أو الموت”
فردت حماس عبر كتائبها بعدة عمليات وكمائن سمع فيها صراخ جيشه الذين يسقطون تباعا بين قتيل وجريح حسب ما تسمع بنشره الرقابة العسكرية
وقبل ذلك نشر في بيان له بعد شهرين من العدوان: “الحرب ما زالت متواصلة لكنها بداية النهاية لحماس.. انتهى الأمر.. لا تموتوا من أجل السنوار استسلموا الآن”
وهي نفس الدعوة التي كررها من منبر الامم المتحدة، وافتخر بأن صوته سيصل عبر مكبرات الصوت في غزة وعبر الهواتف، إذ وجه رسالة إلى قادة حماس قال فيها: “سلموا سلاحكم، وأطلقوا سراح كل الرهائن، وإن لم تفعلوا ذلك، فإن “إسرائيل“ ستطاردكم!!!
ومازالت المطاردة مستمرة لحد الآن…!!!!
ويبدو ان صوت نتنياهو رغم مكبرات الصوت القوية لم يجد آذانا صاغية أو استجابة فورية كما يريد القائد الملهم !!
وأمام عجز الجيش الجبان عن تحقيق أهدافه المعلنة، وعدم قدرته على مواجهة المقاتلين الشجعان، اتجه بكل قوته نحو الاهداف السهلة التي ليس لها قدرة على رد العدوان، فأصبح المدنيون لدى الجيش الصهيوني “أهدافا عسكرية”، فقرر مع سبق الاصرار ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بتدمير جماعة الفلسطينيين القاطنين بغزة، وممارسة العقاب الجماعي للحاضنة الشعبية، وأصبح ذلك واضحا الآن فوزير دفاع العدو وجه نداءه اليوم، ليس لحماس بل لمن يوجد في غزة ولم ينزح إلى الجنوب، وهددهم بأن كل من سيبقى في غزة سيعامل كإرهابي او داعم للإرهاب!
وإن كانت جريمة الإبادة الجماعية (Genocide) تتربع على قمة هرم الجرائم الدولية، فإن “اسرائيل” تسعى بكل قوتها نحو“الإبادة الشاملة” لقطاع غزة و التدمير الوجودي للشعب الفلسطيني في ذلك القطاع الصامد، حيث تستهدف آلة الحرب الصهيونية كل مقومات الحياة بكل مستوياتها، سعياً وراء تفكيك النسيج الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وجعل القطاع غير صالح للسكن..
في هذه السلسلة سنقف عند بعض الابادات التي لا تحظى بتغطية واسعة من وسائل الاعلام العالمية وحتى المحلية، فالكيان يرتكب بطريقة منهجية العديد من الابادات التي يجب تسليط الضوء عليها والاعتراف بها كجرائم مستقلة تستوجب المساءلة والمحاسبة ومعاقبة المجرمين لضمان عدم تكرارها ..
فالعدو الصهيوني قام بالاستهداف المباشر للمؤسسات التعليمية من أجل تدمير رأس المال المعرفي للشعب الفلسطيني. وهي محاولة لـ “إجهاض” الجيل القادم وتدمير قدرته على النهوض، وفي السياق ذاته لاحظ المتخصصون في الشأن الثقافي التدمير المتعمد للمواقع الأثرية، المتاحف، والمراكز الثقافية التي تحمل الهوية والتاريخ، أما الاستهداف الممنهج للمستشفيات والطواقم الطبية فهو جريمة حرب واضحة وثقتها الفضائيات على الهواء مباشرة، كمالاحظ علماء البيئة ذلك التدمير الواسع للنظم البيئية والموارد الطبيعية، حيث تحولت مساحات واسعة من القطاع إلى مناطق غير صالحة للعيش بسبب تلوث المياه والتربة وتدمير البنية التحتية للصرف الصحي، أما تدمير الأراضي الزراعية ومزارع الدواجن والماشية (الإبادة الزراعية) فهو جزء من هذه الجريمة التي تهدفإلى تفاقم المجاعة وتدمير الاستدامة الاقتصادية.
والخلاصة أن الكيان الجبان لما عجز عن مواجهة المقاتلين في الميدان، حرك اسلحته الفتاكة نحو المجتمع الفلسطيني في غزة واستهدف المدنيين بالقتل والتهجير والتجويع..لعله يسجل “نصرا استراتيجيا” بإحداث نكبة جديدة، ويختصر الطريق نحو “النصر المطلق”، وهذا ما سنقف عنده ببعض التفاصيل في هذه السلسلة..
وللحديث بقية ..



