رأي

ماذا تبقى للشعب…؟

الدكتورة إيمان البياري أستاذة جامعية وباحثة في التواصل السياسي والاجتماعي

عرفت مختلف شوارع المملكة وقفات احتجاجية لشباب وصفتهم المنابر الإلكترونية ووسائل الإعلام الغربية والعربية بأنهم جيل Z. أما إعلامنا الوطني فيبدو أن كل ما يحدث لا يستحق التغطية بالنسبة له.

ودعونا نتجاوز هذا التصنيف إلى مفهوم أوسع: إن من خرج للتظاهر هم شباب مغربي في مقتبل العمر. شباب اعتقد الجميع أن المهرجانات الغنائية ومواقع التواصل وبهرجة عصر التفاهة قد ابتلعته، فما عاد يستطيع أن يحرك ساكنا. فإذا به ينتفض غضبا، ويرفع شعارات تنم عن وعي حقيقي وفهم لما يجري من حوله.

وبدل أن يتم الإصغاء إلى هذه المطالب المشروعة وفتح باب للحوار الجاد، جرى التعامل مع هذه الاحتجاجات بطريقة أخرى؛ طريقة جعلت أنظار العالم كله تتجه نحونا. ولم تكن تحمل للأسف إعجابا بإنجاز، وإنما دهشة واستنكارا.

اليوم خرجت إلى الشوارع نوعية أخرى من الشباب: الفئات الأكثر تهميشا وإقصاء. فئات لم تتعلم في المدارس العمومية كيف تكتب شعارا باللغة الإنجليزية، ولا تفهم معنى الاحتجاج السلمي ومبادئ الديمقراطية.

هذه الفئة نشأت في ظل القهر والظلم الاجتماعي، فلا تعرف من سبيل للتعبير عن غضبها إلا بتحطيم الملاعب وإشعال النيران في احتفالات عاشوراء وغيرها. وحين يستبد بها اليأس ويبلغ مداه تلقي بنفسها في عرض البحر؛ فإما العيش الكريم أو الموت.

إن ما سلف لا يبرر بأي حال من الأحوال أعمال التخريب والعنف. لكن الوعي بحجم الإشكال وجذوره هو جزء لا يتجزأ من الحل. وحين نتحدث عن الحلول، فإن المحاسبة تأتي أولا.

ولا شك أننا، كأجيال سابقة، نتحمل جزءا من المسؤولية. فقد تغاضينا عن ما تتخبط فيه المدرسة العمومية من مشاكل، وسعى كل منا لإنقاذ أبنائه بإلقائهم في أحضان مدارس البعثات الأجنبية والمدارس الخاصة، ظنا أنه ينجى نفسه، فإذا به يقع بين براثن غيلان تمص دمه وتساومه على مستقبل أبنائه.

كما تغاضينا عن انهيار المستشفيات العمومية وما يقع فيها من خروقات سافرة. فلجأنا إلى المستشفيات الخاصة، فصارت هذه أيضا مرتعا للفساد، لكنه فساد مؤدى عنه.

شباب اليوم يرفض هذا التغاضي. يطالب بتعليم عمومي يتساوى فيه ابن العامل وابن الوزير، ويطالب بتلقي العلاج في مستشفيات عمومية تحفظ له كرامته وصحته في الآن نفسه. فهل نلومه؟

إن ما يحدث اليوم هو نتيجة تراكم سنوات من الفساد والنهب وانعدام المحاسبة الحقيقية. وأعمال الشغب والفوضى المفزعة ليست إلا نتاج منظومة تعليمية وتربوية فاشلة وقطاع صحي متداعي، وهذا ليس معطى إنشائيا، وإنما حقيقة تؤكدها تقارير منظمات دولية ومؤشرات عالمية. فقد حل التعليم المغربي في المرتبة 110 عالميا من أصل 182 دولة ضمن أحد المؤشرات الدولية لسنة 2024، بينما وصفت منظمة اليونسكو وضعيته بـ ” الكارثية”.

أما في قطاع الصحة، فقد حل المغرب في المرتبة 94 من أصل 99 دولة ضمن مؤشر الرعاية الصحية العالمي لسنة 2025، وهو تقرير نصف سنوي شمل ثماني دول إفريقية، تراجع المغرب فيه خلف عدد منها. هذه هي الحقائق التي تكشف عن وجهها المخيف اليوم في شوارعنا. وتصرخ فينا بأن لم يعد هناك مجال لأي حلول ترقيعية أو محاولات قمع بائسة.

فلنواجه ما وصلنا إليه، ولنحصد بذور فساد نمت وترعرعت بين ظهرانينا، إلى أن هزت الأرض من تحت أقدامنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى