
اليوم 727 من العدوان
م. إسماعيل العلوي
قد يتساءل الكثير منا: لماذا يصر العدو الصهيوني على قصف المنازل والمستشفيات والابراج وخيام النازحين … ويفعل ذلك على الهواء مباشرة، وفي المقابل لا تظهر له أية مقاطع وهو يواجه المقاتلين من الفصائل المسلحة، بل تحتفظ ذاكرة المشاهدين فقط بمواجهة الجيش الذي لا يقهر للجدران وبعض الحفر! اما خسائره فلا تسمح الرقابة العسكرية أبدا بنشرها إلا بعد تشذيبها وجعلها قابلة للاستهلاك الداخلي والخارجي، وهذا بيت القصيد، فمشاهد الدمار والمعاناة يجب ان تبقى مستمرة من أجل “كي الوعي”، وترى جيش الاحتلال يسارع دوما في ارتكاب مجزرة او اغتيال غادر او قصف مستشفى بعد أي عملية موجعة، وذلك ليحول عناوين الاخبار التي سلطت عليه، إلى صورة الفلسطيني الذي يجب أن يكون دوما “آخر من يتألم”، وقد يعتمد العدو على التغطيات المتواصلة والمستمرة لجرائم الإبادة لتصل رسالته! المراد منها كي وعي جمهور المقاومة وحاضنتها الشعبية، مع حرصه الشديد على إخفاء خسائره…
ويجب ألا تخفي مشاهد الدمار عنا أهداف الحرب التي أعلنها العدو الصهيوني منذ اليوم الأول للعدوان، حتى نرى الصورة بشكل أوضح، فالهدف منذ سنتين كان ومايزال هو “القضاء على حركة حماس وإسقاط حكمها” وتفكيك البنية التحتية للقسام، وتدمير مخازن الأسلحة ومواقع إطلاق الصواريخ…! إضافة إلى “تحرير الرهائن ” بالقوة العسكرية! هذه هي الاهداف الكبرى للحرب على غزة والتي إن تحققت سيتم الاعلان عن “النصر المطلق”! وهنا فعلا تظهر قوة الجيش وقواته الخاصة ومخابراته وتقنياته المتفوقة..!
ولا شك أن القارئ النبيه يلاحظ أن كلا من الأهداف المعلنة قد ضلت طريقها نحو التحقيق! فقد حشدت “اسرائيل” نحو نصف مليون جندي لهذا الغرض، وذلك من اجل الحسم السريع واستعادة قوة الردع، وإعادة “الرهائن” لدى القسام وسرايا القدس إلى بيوتهم بالضغط العسكري، ولم يقع شيء من ذلك منذ حولين كاملين!
ولما وقف الضغط العسكري عاجزا أمام صلابة المقاومين، حول قادة العدو “الحاضنة الشعبية” إلى أهداف عسكرية ! وذلك ليضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد! أولا: ليرضي شهوة جمهوره للدم والانتقام ولو من الأطفال والنساء والمدنيين الابرياء، ثانيا: ان يرفع من تكلفة الخسائر ليضمن “كي الوعي” ويستعيد الردع، وثالثا: ان يخفي عجزه التام عن تحقيق أهدافه المعلنة، بارتكاب الابادة الجماعية، التي تدخل في إطار الخطة الاستراتيجية للحرب: النكبة الثانية ..
وانسجاما مع حربه على الحاضنة الشعبية، نرى جيش الاحتلال مركزا بشكل كبير على تدمير المنازل، وقد اوضح تقرير صادر عن المكتب الاعلامي الحكومي في قطاع غزة، بعد مرور 700 يوم على العدوان، ان القوات الاسرائيلة ألقت نحو 125 ألف طن من المتفجرات على القطاع، مما أسفر على تدمير شبه كامل للمباني والمنشآت الحيوية، مضيفا أن آلة الحرب الاسرائيلية تدمر يوميا قرابة 300 مبنى في قطاع غزة، وقد “قتلت” أكثر من 90% من المباني بشكل متعمد، وتشير الاحصاءات إلى ان “اسرائيل” قد دمرت بالكامل أكثر من 161 ألف وحدة سكنية بالكامل و194 ألف وحدة بشكل جزئي، مما أدى إلى تشريد مئات الآلاف من السكان..
ويكفي ان نعرف أن “إسرائيل” قد دمرت من المنازل أكثر مما قتلت من الناس!! وهذا مؤشر واضع على منهجية الاستهداف..
فالعدو لا يدمَّر المنازل كأضرار جانبية للحرب، بل إنه يستهدفها عمدا و غاية بحد ذاتها، إن العدو يعرف هدفه جيدا، فذلك المنزل المستهدف يمثل ذكريات الأسرة والأمان والكرامة لذلك يجب أن يتحول إلى ركام، فمع سقوط الجدران يسقط كل ما يرمز للحياة في ذلك المكان، وذلك ما يصفه خبراء القانون الدولي اليوم بـ “الإبادة المنزلية” DOMICIDE
وعندما تسمع امرأة فلسطينية تقول عن منزلها الذي هوى تحت ضربات الطائرات الحربية: « كنتُ حاكمة هذه المملكة… كان قصري وملجئي، لقد تحولت مملكتي الآن إلى أنقاض..أبكي وأنا أحاول أن أتذكر ما تركته خلفي عندما أُجبرنا على الرحيل. الكاميرا التي كانت تلتقط لحظات عائلية سعيدة دُمّرت، الملابس التي اشتريتها استعدادًا لولادة ابنتي ومعاطف الشتاء الجديدة، احترقت، دمية ابنتي ذات الثلاث سنوات، فُقدت إلى الأبد…» لعلك تستشعر حجم الجريمة التي يقوم بها المحتل بشكل منهجي ومتصاعد، فالمنازل عموما ليست مجرد أحجار، بل هي مخزون الذاكرة الجمعية للأسرة والعائلة، فكل زاوية من البيت كانت تحتضن أحلاماً صغيرة، وتدميرها يعني محو حياة كاملة وحرمان أصحابها من الشعور بالانتماء والأمان، فذلك البيت الذي يُمحى يعنى أن حياة كانت هناك قد تم دفنها تحت الانقاض..
فماذا يعني أن تصبح 90% من مساكن غزة غير صالحة للسكن؟ إنها تعكس بوضوح سياسة متعمدة لتجريد السكان من بيوتهم وتشريدهم، وقد اعترف بعض ساسة الصهاينة بصراحة أن الهدف من الهدم هو جعل غزة «غير قابلة للحياة»، بحيث لا يجد الفلسطينيون بيتا يعودون إليه ! ولو بعد حين، وهذه السياسة تعني التهجير القسري عبر تدمير المأوى بالجرافات المدرعة!
وما يعزز نية إبادة المنازل، توفر جيش الاحتلال الصهيوني على الجرافات المدرعة من طراز Caterpillar D9 التي يعتمد عليها في تسوية أحياء كاملة بالأرض، إنها أداة مبرمجة ومصممة لهدم المنازل وابتلاع بيوت بكاملها خلال ساعات، فمجرد وجودها في الميدان يكشف أن الأمر ليس ضرورة عسكرية مؤقتة، بل هي مشروع منظم لمحو العمران الفلسطيني واقتلاع ذكرياته وعلاقته بالمكان..
وإذا كانت اتفاقيات جنيف تحظر استهداف المدنيين وممتلكاتهم، فإنها لحد الآن لم تُدرج «الإبادة المنزلية» كجريمة مستقلة، وذلك بالرغم من أن المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في السكن (بالاكريشنان راجاغوبال) قد دعا بوضوح إلى سد هذه الفجوة، مؤكداً أن تدمير الأحياء السكنية في غزة يتجاوز كل المعايير، ويجب أن يُجرّم مثلما يُجرَّم القتل والإبادة الجماعية، وما زالت دعوته كأنها صيحة في واد!
قد نتابع الأرقام عن بُعد عبر الشاشات، لكن هل نشعر فعلا أن خلف كل رقم هناك عائلة فقدت ذكرياتها الحميمة، وطفل تم اقتلاعه من مسقط رأسه، وأمهات يبكين مطابخهن وغرف معيشتهن التي صارت ركاماً، فالخسارة ليست حسابية، بل هي نفسية واجتماعية وإنسانية بامتياز، فالبيت الذي يُهدم لا يمكن تعويضه ببيت آخر، لأنه كان يحمل هوية أصحابه وذكرياتهم وأحلامهم الخاصة، وهو ما يرغب الاحتلال بمحوه ودفنه تحت الركام..
لقد حول العدو الصهيوني الجبان المنازل إلى “اهداف عسكرية”، لذلك وجب إدراج إبادة المنازل كجريمة مستقلة في القانون الدولي، وفتح الباب أمام محاسبة كل من أمر أو نفّذ أو سهّل هذه السياسة الممنهجة، فالجيش الجبان يستأسد فقط أمام المدنيين العزل المحميين بقوة القانون..
وأخيرا: فمن لا يساهم في حماية البيت، لا يجب ان يدعي أنه يحمي الإنسان، ومن يترك المنازل والبنايات السكنية تُمحى أمامه بصمت، فهو يشارك بصمته في محو شعب بأكمله!.
وللحديث بقية




