
لا يخلو خريف من عاصفة، بل لا يكاد يخلو منه فصل، كأنما تلك العواصف والمطبات امتحانات إجبارية، تختبر المدارك والتعلمات والمهارات، وكأنها تذكير لإيقاظ الحس والوجدان، مما يجعل فن التعامل معها أمرًا ضروريًا، والاستعداد لها تعبيرًا عن الفطنة والحنكة؛ فالخريف جسر عبور نحو فصل مطير، يتم الاستعداد له بكل احترافية ووضوح رؤية، والعواصف في الخريف تمرينات وتسخينات للفصل الحاسم في دورة الخصب والنماء، فلا يعقل أن يعيش الإنسان الجو الصحو ويبتهج به طول الصيف، ويستمر الخريف على نفس النهج، حتى تستيقظ الحواس على أمطار وبرد وجو رتيب، هي الصدمة إذا.
يفترض أن الخريف بكل تفاصيله يخفف هذه الصدمة، ويقدم الدروس لإيقاظ الوعي بما يحمله فصل لا يتقبل الدخول عليه دون كلفة ولا استعداد، ومن فاته الإستعداد فأثمان الاستدراك باهظة.
ومن يجد نفسه في عاصفة خريفية – سواء كانت رمزية (اضطراب حياتي، قيمي، أو مجتمعي) أو حتى واقعية – عليه أن يتخذ إجراءات تحفظه من الانجراف:
1. التمسك بالجذور: كما تفعل الأشجار، الثبات والسلامة تكون بالرجوع إلى الأصل: القيم، الإيمان، المبادئ. هذه الجذور تمنع الاقتلاع.
2. التحصّن بالصبر: العواصف لا تدوم، لكنها تكشف المتهافت. الصبر جسر العبور.
3. الوعي بعدم الاندفاع: لا تقاوم الريح باندفاع أعمى، بل قف موقف المرن القوي؛ تنحني الأغصان أحيانًا لتبقى الجذور ثابتة.
4. استثمار العاصفة: كما تُسقط الريح ما لا ينفع الشجر، اجعل من العاصفة فرصة للتخلص من العادات والأفكار الذابلة.
5. البصيرة في التمييز: بين نسيم التغيير الذي يوقظ، وبين الريح العاصفة التي قد تقتلع. الحكمة أن تعرف أيهما أمامك.
6. الاستعداد للربيع: كل عاصفة خريفية، في النهاية، تمهّد لمطر وخصب وتجدد. من يتعبأ لها يستقبل ربيعه أقوى.
في السياق المجتمعي، ما نشهده اليوم من احتجاجات هو صورة من صور تلك “العواصف الخريفية”: حركة مشروعة تعبّر عن توق إلى التغيير، لكنها في الوقت ذاته انطلاقة نحو المجهول حين تُدار بلا وعي أو تضيع بوصلة الأهداف أو فقدت أدوات التغيير في مساءلة للآليات الديمقراطية وال,تي شرعت من أجل أن تكون الفضاءات المناسبة لاحتواء المطالب، وفضاء لاستيعاب التغيرات والتحديات التي تفرضها التحولات والاحتياجات، وفي حال عدم كفايتها فيبقى الاحتجاج حقّا لا غبار عليه، غير أن التعامل معه دون بوصلة ولا إعداد يشبه مواجهة، العاصفة دون جذور ولا سياج. وهنا تتجلى الحاجة الملحّة إلى ذكاء سياسي ومجتمعي؛ ذكاء يقرأ المطبات الجوية، ويحتويها، ويوجّه طاقتها نحو البناء بدل الهدم.
إن التفاعل الواعي مع المطالب المشروعة، والإصغاء العميق لنبض الشارع، هو ما يحوّل العاصفة إلى تمرين ضروري يقودنا إلى ربيع أعدل وأقوى، بدل أن تنقلب زوابع تعصف بكل شيئ.
إن الأحداث المتسارعة التي عرفتها عدد من المدن المغربية تحمل عددا من الدلالات :
1- هشاشة العرض الديمقراطي: وتتجلى في ضعف التفعيل الناجع لمقتضيات الدستور، وتمييع الممارسات الديمقراطية على مستوى الديمقراطية التمثيلية، والتشاركية على حد سواء.
2- سيولة مفهوم الدولة الاجتماعية: وتجلى في النقص على مستوى السياسات العمومية ذات الطابع الاجتماعي، وعلى مستوى النجاعة في ما تمت برمجته، إما من حيث عدم استجابته لمطالب كل الفئات بعدالة وإنصاف، أو كانت برمجته مبنية على حسابات سياسوية لا تخدم إلا واضعها…
3- الاختلال البنيوي للمجتمع: وانعكس في التفاوتات في مجال التعليم والمهارات، وفي الفجوات الاقتصادية وتتعلق بالتشغيل والحد الأدنى للأجور…ألخ
4- الاختلال العلائقي والتواصلي : ويتجلى في اختلال بنية الأسرة باعتبارها المحضن الأساس الذي ينتج المواطن فردا وجزء من منظومة مجتمعية، وضعف العلاقة بين المواطن وكل المؤسسات التي يتكامل دورها مع دور الأسرة.
كما أن غياب قنوات واضحة وسهلة الولوج إلى فضاءات الحوار والتواصل ينشر نفس الإحباط والتهميش، مما يخلق القابلية للتأثير والتأثر في المساحات المظلمة بكل إشكالاتها وغالبا لا تكون آثارها خادمة للمجتمع.
5- الانحسار القيمي والثقافي: وهو نتيجة لعدد من العوامل، غير أنه يبقى تجليا واضحا من خلال شيوع نظام التفاهة وترميز الرداءة، بمقابل تهميش المثقفين والمبدعين والحاملين للقيم البانية والمحصنة للمجتمع وجودة أدائه ؛ مما أنتج أجيالا غابت لديها قيم العمل والإنتاجية، وتلهث خلف الربح السريع والاستهلاك السريع وشيوع سلوكات قيمية هادمة (رشوة- فساد- محسوبية- الانتهازية…)
باعتبار ما سبق، فإن الضعف الذي أبانت عليه الهيآت والمؤسسات والفاعلون باختلاف تموقعاتهم في إرساء دعائم مجتمع قوي الأركان، وإعداده لتجاوز مثل هذه المطبات المجتمعية، قد أفضى إلى احتقان طبيعي؛ حيث كان من الضروري استعمال قنوات التواصل المؤسسية الرسمية وغيرالرسمية للاستماع لنبض المجتمع وتلبية احتياجاته وإشباع تطلعاته، وإلا أصبح الشارع هو المنفذ الوحيد لإسماع الأصوات، ومعه تأتي الحاجة إلى إجراءات سريعة وذكية، أو الانسحاب لتجنب الخسائر ذات الكلفة الصعبة.




