
اليوم728 من العدوان
م. إسماعيل العلوي
حملت إلينا اخبار اليوم استهدافا جديدا لمحطة تحلية المياه في غزة، وتعمّد جيش الاحتلال الصهيوني تدميرَ مصادر وشبكات المياه في غزة، فبالله عليكم ما هي الخطورة التي شكلتها شبكات المياه “الارهابية” على أقوى جيش في الشرق الاوسط، حتى استهدفها بغاراته الجوية وعملياته البرية؟ إنها مقومات الحياة التي اصبحت أهدافا عسكرية لعصابات الجيش الصهيوني، وذلك من أجل إجبار الفلسطينيين على هجر أماكن سكناهم..
وبعد عدة شهور فقط من العدوان صرح مدير عام مصادر المياه في سلطة المياه بقطاع غزة،منذر سالم، أن “إسرائيل“ دمَّرت 85% من مصادر المياه! ولم تعد المياه الصالحة للشرب والمخصصة للاستهلاك اليومي متاحة أمام أكثر من مليوني فلسطيني –كانوا– يعيشون داخل غزة.
وإذا كانت شبكات “اسرائيل” التجسسية قد اكتشفت أن شبكات المياه في غزة تنتمي لكتائب القسام، فإن القطاع الزراعي الذي وضعته قوات الاحتلال على لائحة الاهداف العسكرية، يبدو انه التحق بسرايا القدس الجناح العسكري للجهاد الاسلامي، وإلا ما الذي يفسر قصف الأراضي الزراعية بشكل متعمد، وتجريف وتدمير المزارع الحيوانية بشكل كلي، ومنع دخول المواد والمعدات والأدوية اللازمة لهذا القطاع، إذ أدى انقطاع الكهرباء وشح المياه إلى نفوق الكثير من الحيوانات..
أما بالنسبة للثروة السمكية، فإن قطاع صيد الأسماك كان يُنتج سنوياً نحو 4660 طن من الأسماك، إلاّ إن هذا الإنتاج توقف بالكامل من خلال التدمير الممنهج لوسائل الصيد، حيث دمر الاحتلال الصهيوني ميناء غزة وما يزيد عن 700 قارب صيد في مختلف محافظات قطاع غزة، وتم منع الصيادين من النزول إلى البحر..
وقبل أيام نشر الكاتب البريطاني جورج مونبيوت مقالا بصحيفة “غارديان“ عن “الإبادة البيئية في غزة“، أوضح فيه أن “سياسة “إسرائيل“ لا تهدف فقط إلى القضاء على الفلسطينيين جسديا، بل تشمل أيضا محاولة القضاء على أي قدرة لهم على العيش أو الاعتماد على مواردهم الطبيعية“، مشيرا إلى أن الحكومة الإسرائيلية تعمل على هدفين متوازيين لتحقيق سيطرتها: الأول هو القتل الجماعي وطرد الفلسطينيين، والثاني هو تحويل الأراضي إلى مناطق غير صالحة للسكن والزراعة. وأبرز الكاتب أن الضرر الأكبر أقل وضوحا وهو تدمير الأنظمة البيئية بشكل متعمد ومنهجي، فالجيش الإسرائيلي يتعمد تدمير البيوت البلاستيكية، ويزيل البساتين، ويحرث المحاصيل، ويرش المبيدات على الحقول.
وكشف مونبيوت أن سياسة إزالة أشجار الزيتون القديمة تهدف إلى حرمان الفلسطينيين من وسائل المعيشة وقطع الروابط الرمزية والثقافية بالأرض..
وإذا تتبعنا نتائج الدراسات وتصريحات المتخصصين فإنهم يكاد يجمعون على أن المتفجرات التي يستعملها العدو تحتوي على مواد خطرة تبقى في التربة والمياه الجوفية ومياه البحر والرواسب البحرية لفترات طويلة قد تستمر لعقود، كما أن الخصائص الكيميائية للمواد المتفجرة تبقى في الحطام، وقد يؤدي التعرض لها او معالجتها بشكل مباشرإلى عدة مخاطر!
وقد شدد الخبير في الشأن البيئي الأغا على أن آثار المتفجرات على صحة الإنسان تصل لدرجات قاتلة، حيث يُعدّ “تي إن تي” (TNT) مادة مسرطنة محتملة، ويمكن أن يؤدي التعرض طويل الأمد لها إلى تلف الكبد والكلى، بينما يؤثر شرب المياه الملوثة بمادة “آر دي إكس” (RDX) على الجهاز العصبي، وقد يصيب الإنسان بنوبات صرع وتشنجات وغثيان وقيء...
كما أظهرت دراسة جديدة أن ملايين الأطنان من الأنقاض التي خلّفها العدوان الصهيوني على قطاع غزة قد تولد أكثر من 90 ألف طن من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وقد تستغرق إزالتها ومعالجتها ما يصل إلى 4 عقود من الزمن، وكلما بقيت الأنقاض الملوثة في مكانها مدة أطول ألحقت المزيد من الضرر بالهواء والماء وصحة الساكنة في غزة..
وهذا الاستهداف المتعمد والممنهج للبيئة بكل مستوياتها في غزة هو ما وصفه خبراء البيئة بأنه “إبادة بيئية” (Ecocide)، باعتباره تدمير مقصود لمستلزمات عيش الأجيال القادمة، بما فيها موارد المياه والتربة والأراضي الزراعية والمناطق السكنية والهواء...
وكشفت دراسة علمية أجرتها صحيفة غارديان البريطانية أن أكثر من 99% من نحو 1.89 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، والتي يُقدر أنها تولدت في الفترة ما 7 أكتوبر 2023 ووقف إطلاق النار المؤقت في يناير 2025 كانت ناجمة عن القصف الجوي الإسرائيلي والغزو البري لقطاع غزة، وفصلت ذلك بأن نحو 30% من غازات الاحتباس الحراري المنبعثة في تلك الفترة جاءت من إرسال الولايات المتحدة 50 ألف طن من الأسلحة والإمدادات العسكرية إلى “إسرائيل“، معظمها على متن طائرات شحن وسفن من مخازنها في أوروبا، أما نسبة الـ20% الأخرى فكانت نتيجة عمليات الاستطلاع والقصف الجوية الإسرائيلية، والدبابات والوقود من المركبات العسكرية الأخرى، بالإضافة إلى ثاني أكسيد الكربون الناتج عن تصنيع وتفجير القنابل والمدفعية.
والمواطنون في غزة يستعملون الطاقة الشمسية، إذ كانت هذه الأخيرة تولّد ما يصل إلى ربع كهرباء غزة، ممثّلة إحدى أعلى النسب عالميا، إلا أن معظم الألواح، ومحطة الكهرباء الوحيدة في القطاع، تضررت أو دُمرت بشكل كامل..
وختاما نستمع إلى هذه الصيحة التي اطلقتها إحدى الدراسات المتخصصة والقائلة:إن البصمة الكربونية (حجم الانبعاثات) للأشهر الـ15 الأولى من حرب “إسرائيل“ على غزة كانت أكبر من الانبعاثات السنوية المسببة للاحتباس الحراري في مائة دولة! مما سيؤدي إلى تفاقم حالة الطوارئ المناخية العالمية، بالإضافة إلى الخسائر الهائلة في صفوف المدنيين..
إن سعي العدو نحو تدمير سبل العيش بغزة جعله ينتهك كل المواثيق الدولية والبروتوكولاتالمعترف بها، وقليل من ينتبه إلى الابادة البيئية Ecocide لذلك كانت هذه الحلقة
وللحديث بقية




