
ونحن أمام التلفاز أومركونون مع الهاتف العضو الجديد في جسم الإنسان العاري اليوم ، قد نلحظ ابتسامات بعض الرؤساء وضحكاتهم في انسجام تام مع نوع البدلات العصرية على المنابر والمنصات ، أو في بيئات متنوعة زاهية أو طبيعية أو في مكتب حافل بالمدخرات و اللوحات التاريخية، أو في سيارة فخمة أو على صهوة فرس أو مع حليلة أو خليلة، فهل لضحكة الرؤساء دلالات فلسفية واجتماعية وأخلاقية أم هي تدخل ضمن سلوكات طبيعية وتصرفات تلقائية؟
يؤكد علماء النفس والاجتماع أن الضحك ليس مجرد رد فعل عابر، أو وسيلة للتسلية، بل هو ظاهرة إنسانية معقدة تحمل أبعاداً سيكولوجية وأنثروبولوجية وسياسية.
فلقد حضي هذا السلوك بالدراسة منذ أفلاطون وأرسطو إلى فرويد وباختين، وتم إظهار أن الضحك والقهقهة والفكاهة بشكلها الفني تعكس توتراً جوهرياًبين الجسد والعقل، بين السلطة والحرية، بين النظام والانفلات أي الفوضى، فأفلاطون يرى أن الضحك يعبر عن نوع من التفوق على الآخر، مما يجعله خطراً على النظام الأخلاقي العام.
بينما يقول أرسطو أن الكوميديا تعكس “انحرافاً غير مؤذٍ”، فهي تكشف عن نقائص البشر ولكن في إطار تسلية.
فالتراث الكلاسيكي العربي والإسلامي والعالمي تعامل مع الفكاهة غالباً بريبة وشك تبعها حذر وحيطة، باعتبارها قوة مزعزعة للأنظمةالسياسية والأخلاقية. فمن كثر ضحكه ومن تمادت قهقهته يشكل في الحقيقة تهديدا لما دونه من الناس والكائنات في الحاضر والمستقبل.فالضحك له علامات وتفسيرات كالإحساس بالتفوق على الآخرين، فلا يضحك الرئيس، وهو كل إنسان يرأس هيئة أو إدارة، وصل إليها بطرق انتخاببة او بمسلك من المسالك المعروفة عند الناس،إلا عندما يشعر أنه أفضل من الآخرين السدج و الرعاع والحثالة، يضحك الرئيس عندما يناقض غيره أي لا توافقا معهم سواء في الرؤىوالاستراتيجيات في السلم أو الحرب ، في الاقتصاد أوالسياسة فيكون “التكركير” أو الضحك المبالغ فيه سدا لما يتولد من المفاجآت وكسرا للتوقعات الظاهرةعند الآخرين المضحوك منهم وعليهم أو لهم ،فتكون القهقهة كآلية لتفريغ التوترات والرغبات المكبوتة،ويكون الضحك فعلا جسديا بامتياز،إذ يربط بين اللاوعي والجسد الاجتماعي.كما يشكل تعبيرا عن هشاشة الجسد وقدرته على تجاوز حدوده. إذن الضحك وأنواعه في السياسة أداة لمقاومة الضعف وجبروت الطواغيت، و يكشف الزيف والخداع ويجرّد السياسات من هيباتها المزعومة والمفتعلة.وقد يكون أداة للهيمنة: عندما يُستعمل لترسيخ الصور النمطية بالكلام المكرور والنكت الناشفة. ولهذا تخشى الفكاهة من المرتابين ، و تستفز المتلاعبين والانتهازيين ، لأنها لا تُضبط، ولأنها قادرة على تقويض الهالات والصور والهيآت الخادعة والمخدومة .
ومن الناحية الأخلاقية يطرح سؤال مهم :
هل الضحك فعل بريء؟ هل القهقهة سلوك مقبول؟ وكجواب يمكن القول وحسب ما أقره الدارسون أن القهقهة والضحكات قد تكونان إنسانيتين تحرريتين ، وقد تكونان لاذعتين . هنا يطرح إشكال كيفية التمييز بين السخرية البنّاءة التي تساعد على النقد، والسخرية الهدامة التي تنشر الحقد والبغض وعدم الاحترام بين الناس كبيرهم و صغيرهم غنيهم وفقيرهم ..فإذا ارتبطت الفكاهة بالفن كالكوميديا مثلا فهي ليست مجرد تسلية، بل فن فلسفي يكشف تناقضات الوجود. وإذا ارتبطت بالتراجيديا عكست حدود الإنسان وضعفه، بأسلوب فني ملائم و مختلف .فالفكاهة على كل حال تنشأ عند نقطة التماس بين الجسد واللغة، حيث ينهار النظام في لحظة ويولد منها الضحك الذي يمكن أن يكون أكثر جدية من أي خطاب رسمي، لأنه يفضح ما يُراد إخفاؤه ،ففيه نعترف بضعفنا،لكننا نحتفل به أيضاً. ولهذا عندما يضحك الرئيس فضحكته نابعة من فلسفته،من نظرته للحياة والشأن العام و الخاص في سياق تاريخي وثقافي وسياسي. بحيث يكون مرآة للتوترات العميقة في التجربة البشرية: بين الحرية والقيود، بين الجسد والعقل، بين الفرد والمجتمع.
فالفكاهة تعبير عن الجدية،و الضحك فعل يحمل معنى يتجاوز لحظته العابرة. والقهقهة تجمع بينهما.
تحياتي
ولنتدبر قوله تعالى:”إِنَّ ٱلَّذِینَ أَجۡرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ یَضۡحَكُونَ ٢٩ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِهِمۡ یَتَغَامَزُونَ ٣٠ وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤا۟ إِلَىٰۤ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُوا۟ فَكِهِینَ ٣١ وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوۤا۟ إِنَّ هَـٰۤؤُلَاۤءِ لَضَاۤلُّونَ ٣٢ وَمَاۤ أُرۡسِلُوا۟ عَلَیۡهِمۡ حَـٰفِظِینَ ٣٣﴾ [المطففين ٢٩-٣٣]
صدق الله العظيم
تحياتي
محمد كندولة



