
اليوم 729 من العدوان
م. إسماعيل العلوي
بالأمس تابعنا استهداف الكيان الصهيوني لمحطات التحلية وشبكات المياه والصرف والصحي، وتساءلنا عن الخطورة التي تشكلها تلك المحطات على عصابات جيش الاحتلال! واليوم نقلت إلينا الاخبار استشهاد عنصر من الدفاع المدني ليصل الرقم إلى 140 فقط من أفراد الدفاع المدني، فمنذ 7 أكتوبر 2023 تستهدف “إسرائيل” المنظومةالصحية في غزة بشكل مباشر وممنهج، إذ تم تدمير ما يزيدعلى 94% من إجمالي المستشفيات، أبرزها مستشفى الشفاءالذي كان يعدّ الأكبر والأكثر تجهيزا في القطاع المدمر، كماخلف العدوان الصهيوني على غزة استشهاد أكثر من 2000 عامل في القطاع الصحي منهم 165 طبيبا، و260 ممرضا، و184 مساعدا صحيا، و76 صيدليا، و300 من موظفي الإدارةوالدعم، كما استهدف العدو 183 سيارة إسعاف، وهو ما دفع رئيس لجنة الأخلاقيات الطبية في الجمعية الطبيةالبريطانية، الدكتور أندرو غرين إلى القول: “إن ما يحدث في غزة هو أكثر النماذج تطرفًا لانتهاك الحياد الطبي، في ظل تدمير كامل للبنية الصحية ومجاعة تهدد ملايين الأرواح”

ففي الحروب غالبًا ما تكون المستشفيات ملاذًا للجرحى والضعفاء، حيث يفترض أن تكون محمية بالقوانين الدولية، لكن في غزة على الخصوص أصبح هذا الملاذ “هدفا عسكريا” بامتياز! ولا يقتصر اليهود الصهاينة على إلقاء القنابل وحصد الأرواح، بل يمتد حقدهم إلى كل من بقي على قيد الحياة ليجد نفسه يصارع للبقاء بدون دواء، ودون طبيب، ودون مستشفى، إذ تم تدمير أو تعطيل 34 مستشفى من أصل 38، وهو ما دفع مجموعة من الأكاديميين للمطالبةباعتماد مصطلح “الإبادة الصحية” (Healthocide) لوصف الاعتداءات الممنهجة على الطواقم الطبية والمنشآت الصحيةفي مناطق النزاعات المسلحة، لا سيما في قطاع غزة، التي أكد خبراء أمميون أن التدمير الممنهج للمنظومة الصحية لايهدف فقط إلى قتل الآلاف في لحظتها، بل إلى تدمير شروط الحياة لأجيال قادمة..
ان العدو ينظر إلى الكوادر الطبية كأنهم أعداء لهم، إذ يريد العدو محو الحياة وهؤلاء يحاولون إنقاذ حياة الضحايا المستهدفين! ومع أن القانون الدولي الإنساني يكفل “الحياد الطبي”، فإن الاحتلال الإسرائيلي حول المستشفيات إلى ساحات قتال، حيث اعتقل الأطباء، وقتل الممرضين، وحاصر سيارات الإسعاف، بل إن بعض الأطباء المعتقلين رووا لـ”الغارديان” البريطانية تفاصيل التعذيب والتجويع والحرمان من النوم لمجرد أنهم أطباء! كما ان منظمة الصحة العالمية قد وثقت أكثر من 750 هجومًا على الرعاية الصحية، وأكدت أن مايحدث “انهيار تام للنظام الصحي”.

ويبدو أن أثر العدوان على الوضع الوبائي لم يكف “اسرائيل” فتريد المزيد، فقد أظهرت البيانات تسجيل 71338 إصابةبالتهاب الكبد الوبائي، و167000 حالة إسهال مزمن، و1116 حالة حمى شوكية سجلت منذ بداية العام، و64 إصابةبمتلازمة “غيلان باريه” النادرة، إضافة إلى أكثر من مليون إصابة بالأمراض المعدية والتهابات الجهاز التنفسي.
ولنستمع إلى شهادة إحدى الطبيبات لنقترب من الظروف التي يعمل فيها الاطباء، قالت الدكتورة منى الكرد من المستشفى الأوروبي في غزة: ” إننا نختار من يمكن إنقاذه ومن سيفارق الحياة بسبب نقص الموارد، ونقوم بعمليات بتر دون مسكنات، إنها قرارات تمزق القلب”، أما أطباء آخرون فيروون كيف تحول الهاتف المحمول إلى مصباح داخل غرف العمليات! وكيف يجرون العمليات الجراحية بأدوات معقمة على عجل، أوبلا تعقيم على الإطلاق! أما في مراكز الإيواء، فيولد الأطفال على الأرض دون تعقيم، وتفترش الأمهات البطانيات البالية بدل أسرّة الولادة، وكبار السن يموتون بصمت بسبب انقطاع أدويةالقلب والسكري، إنها مشاهد تذكر بعهود الطاعون والمجاعات، لكنها تجري في القرن الحادي والعشرين وتبث للعالم بالصوت والصورة، ولكن مقترف كل هذه الجرائم والمتسبب فيها يحظى بالرعاية والحماية من اكبر دولة في العالم، الولايات المتحدة الامريكية التي سمحت للمجرمين بأن ينتهكوا كل القوانين ويوفرون لهم الافلات من المحاسبة والعقاب..

ويبدو ان تصريح اليونيسيف التي حذرت من أن غزة “أصبحت غير صالحة لحياة الأطفال”، قد يرضي العدو فعشرات آلاف الحوامل والرضع هم في مواجهة مباشرة مع موت محقق.
إنها ليست مجرد كارثة طبية آنية، بل هو تهديد لمستقبل الفلسطينيين، فأكثر من 80 ألف شخص مهددون بإعاقات دائمة، ونظام صحي يحتاج إلى عقود لإعادة بنائه. والأطباءالذين استشهدوا أو اعتُقلوا هم ثروة بشرية لا تعوض، والخوف أن يولد جيل كامل مشوّهًا جسديًا ونفسيًا بفعل هذا العدوان الغاشم على غزة..
وكلما لاحت تباشير توقف الحرب ترى اليهود الصهاينة يسارعون في قتل من أمكن من البشر وهدم ما استطاعوا من الحجر، واقتلاع ما وصلت إليه ايديهم من الشجر، انه صراع وجود مع عدو لدود، وكل ذلك يؤكد جبن الجيش الذي لا يقهر إذ يواجه فقط الجرحى والجوعى والأسرى ويجبن أمام المقاومين الشجعان، الذين يكشفون لنا يوميا بأنه مجرد جيش جبان
وللحديث بقية



