
731 من العدوان
م . إسماعيل العلوي
ليست المدن مجرد مبانٍ من لبنات واسمنت، بل هي كائنات حية لها روح وذاكرة وهوية، وأن تلقي قوة عسكرية غاشمة أكثر من 200 ألف طن من المتفجرات على مدينة صغيرة تاريخية، فهذا يعني إرادة قتلها مع سبق الإصرار، وإخراجها من الحاضر بالتدمير الشامل لتاريخها وجغرافيتها وثقافتها! فغزة اليوم تمثل المثال الأشد فظاعة ووضوحًا لنمط جديد من الجرائم لم يتم الاعتراف به رسميا بعد، وهو “إبادة المدن” Urbicide، إنها مدينة اجتمع عليها العدو و”الصديق”، البعيد و”الشقيق”، العميل و”الرفيق” !! مدينة بأكملها تكاد تُمحى من الوجود على الهواء مباشرة، في عملية تدمير ممنهجة لم تترك شارعًا ولا حيا ولا مبنى ولا ذاكرة إلا وعبثت بها !
“إسرائيل” بطبعها الإجرامي المحترف دائما ما تشن حروبا خفية لا تغطيها عادة وسائل الاعلام ولو حرصت على التغطية المستمرة!!
فوراء الخسائر البشرية الكبيرة والكثيرة من الشهداء والجرحى والأسرى هناك جرائم أخرى، فالعدو يتعمد ضرب المدينة الصامدة في المناطق المميتة، لعله ينجح في إزهاق روحها وإجهاض ذاكرتها، ولهذا نجده يستهدف المعالم الأثرية والتراثية، وبعضها مواقع تاريخية لا يمكن استعادتها، وهي محاولة مكشوفة لإبادة الهوية الثقافية العريقة لمدينة غزة، إذ طال الدمار المساجد والكنائس والمتاحف والمراكز الثقافية والمكتبات العامة.
يقول مدير دائرة المواقع والتنقيب في وزارة السياحة والآثار الدكتور حمود الدهدار إن مدينة غزة واحدة من أهم وأقدم مدن العالم، وتعود إلى العصر الكنعاني، إذ تضم أكثر من 70% من المعالم الأثرية على مستوى قطاع غزة، وماذا يعني أن يقوم الاحتلال الصهيوني بتدمير متحف قصر الباشا الذي يضم قطعا أثرية تعود إلى ما قبل العهد العثماني؟ وقد كشف الدهدار عن عمليات بحث جارية عن أي قطع أثرية وتاريخية خاصة بالمتحف، الذي كان يضم أكثر من 70 ألف قطعة أثرية!
بدورها، قالت مديرة متحف قصر الباشا ناريمان خلة إنه تم افتتاح متحف القصر عام 2010، وكان يضم العديد من القطع الأثرية التي تعود إلى العصور اليونانية والبيزنطية والرومانية، مشيرة إلى أن الاحتلال دمر المكان وجرفه خلال توغله في حي الدرج شرقي غزة، فكيف نفهم قيام الاحتلال بتدمير مسرح ومبنى مؤسسة سعيد المسحال للثقافة والعلوم بستة صواريخ من طائرة F16؟!
ولم يكتف الاحتلال الصهيوني باستهداف جميع المثقفين بمختلف ألوانهم السياسية وتوجهاتهم الفكرية والدينية والفنية، بل عمد إلى تدمير حتى الجدران واللوحات التي رُسمت عليها الجداريات في شوارع قطاع غزة! كما قام بتدمير النصب التذكارية: مثل تمثال الجندي المجهول الشهير في حي الرمال، وتمثال العنقاء وسط مدينة غزة، والنصب التذكاري للفنان جهاد عسقول في دوار الشيخ زايد، بعنوان المفتاح والعودة، وبالطبع تم تدمير المباني الأثرية والمتاحف، كمتحف البادية شرق مدينة غزة، ومقام الخضر بدير البلح، ومتحف العقاد بخان يونس، وتل العجول، وتل رفح الأثري، إلى جانب استهداف ميناء الأنثيدون والكنيسة البيزنطية في مخيم جباليا، وموقع تل أم عامر، وتل السكن، وتل المنطار التاريخي..إنه استهداف متعمد لروح المدينة، وتدمير كل ما سيعلق بذاكرة الأجيال القادمة..
فعندما تحلق طائرات العدو في سماء القطاع فإنها لا تحمل بنك أهداف عسكري، بل إنها تقصف دون هوادة بيوتا ومبانٍ تاريخية، مثل بيت السقا الأثري، وبيت ترزي، وسباط العلمي، وهي الأماكن التي احتضنت الأمسيات الشعرية واللقاءات الفنية ونشاطات كثيرة متنوعة، ولم يسلم حمام السمرة الأثري، الموغل في القدم، وسوق الزاوية التاريخي، و قلعة برقوق في خان يونس..إنها إبادة التاريخ الفلسطيني وإعدام الهوية، فقد تم تدمير المسجد العمري بالكامل، وهو المسجد الذي حوله البيزنطيون إلى كنيسة في القرن الخامس ميلادي، ثم حوله المسلمون إلى مسجد بعد الفتح الإسلامي في القرن السابع، كما دخل مسجد السيد هاشم الذي يحتضن قبر جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم سجل المساجد المستهدفة، وكذا كنيسة القديس برفيريوس..!
ولم يتوقف الدمار عند المساجد والكنائس بل طال أغلب المكتبات العامة وحتى المكتبات الخاصة للكتّاب والأدباء والفنانين، مثل مكتبة سمير منصور، ومكتبة الفارس (اليازجي)، ومكتبة الشروق وصولا إلى تدمير المطابع وحرق الأجهزة وآلات الطباعة!
وهكذا لم تعد الحرب في غزة حدثاً عسكرياً فحسب، بل تحوّلت إلى ظاهرة مركّبة تمسّ جوهر الوجود الإنساني والعمراني معاً. إنه تدمير مقصود للبنية المادية والرمزية للمدينة، بهدف شلّ قدرتها على الحياة، وطمس ذاكرتها الجمعية، وتجريد سكانها من حقهم في المكان والزمان.
فإبادة المدن ليست مجرد عملية هدم واسعة النطاق، بل هي فعل سياسي – عسكري يستهدف روح المدينة ذاتها. إنها استراتيجية لقتل الفضاء العام، وتفكيك شبكات الحياة المشتركة التي تُبقي المجتمع قائماً. فحين تُدمَّر المنازل والمستشفيات والمدارس والمكتبات والمتاحف، لا يُقتل الحجر فحسب، بل يُقتل ما يرمز إليه من ذاكرة وتواصل ومعنى.
لقد تجسّد مفهوم “إبادة المدن” بأوضح صوره في مدينة غزة، إذ لم ينجُ حيّ من القصف الهمجي، وكلنا تابع استهداف الأبراج السكنية، المخابز، الجامعات، المستشفيات، ودور العبادة.. جميعها صارت هدفاً مشروعاً في نظر اليهود الصهاينة المحتلين.
فتدمير الأبراج السكنية يهدف إلى محو الذاكرة والهوية، يقول الناشط الحقوقي محمد أمين: “الأبراج ليست مجرد مساكن، بل هي مخزون من الذكريات والرمزية الاجتماعية والاقتصادية. غالبية هذه الأبراج كانت عيادات، مكاتب، محال تجارية، ومراكز خدمات، وتدميرها يعني حرمان المجتمع من وظائفها المتعددة، وتعميق حالة الانهيار الشامل التي يعيشها القطاع”.
ويضيف أمين: “الاحتلال لا يكتفي بتدمير المنازل المتفرقة في الأحياء والمخيمات، بل يصر على هدم الأبراج التي تمثل معالم بارزة في ذاكرة المدينة وهويتها، فالأبراج التي كانت قبل الحرب شاهدة على تطور عمراني نسبي في غزة المحاصرة، تحولت إلى شاهد على عملية محو منظمة لكل ما يربط المكان بماضيه وحاضره”.
وهكذا لا يُقتل البشر فحسب، بل تُقتل الذاكرة والهوية والمستقبل، فحين يُدمَّر المكان، يُدمَّر التاريخ، وحين يُمحى التراث، تُمحى هوية الجماعة. لذلك، لا بد من فضح هذه الجريمة ومحاسبة مقترفيها ولا تبقى الامور عند مستوى التصريحات وإن كانت أممية! إذ أكدت المفوضة السامية لحقوق الإنسان في أحد تقاريرها أن تدمير البنية الحضرية في غزة وصل إلى مستوى يهدد الوجود الإنساني ذاته، وليس مجرد البقاء الجسدي للسكان، وماذا بعد أيتها المفوضة السامية؟!
غزة اليوم ليست مأساة فلسطينية فقط، بل هي اختبار أخلاقي للعالم بأسره، فحين يُسمح بقتل مدينة على الهواء مباشرة، وأمام أنظار الجميع، يصبح الصمت تواطؤاً والحياد خيانة للقيم الإنسانية التي كررها الرجل الأبيض على اسماعنا منذ أكثر من قرن من الزمان!! أين هو واجب ما يسمى “المجتمع الدولي”؟ إن العدالة الحقيقية لا تُختزل في إعادة الإعمار! بل في مساءلة ومحاسبة ومعاقبة من تسبب في الدمار..
وللحديث بقية




