
كتبها: نورالدين الهادي
الأحد 5 أكتوبر 2025
في انحياز سافر للسردية الصهيونية وأهدافها التوسعية، ومع استمرار حرب الإبادة في غزة التي يمارسها زعماء بني صهيون بمباركة ومشاركة أمريكية بالمال والسلاح والعتاد، تتفتق الذهنية الإمبريالية الاستعمارية الأمريكية من جديد عن خطة تحقق للصهاينة بالديبلوماسية “الناعمة” ما لم يحققوه بالحرب والإبادة وارتكاب كل أشكال التقتيل الجماعي، وبمختلف الأسلحة وأحدثها وأكثرها تدميرا تنتجها المصانع الأمريكية، وهكذا استقبل الرئيس الأمريكي ترامب قادة عدد من الدول العربية والإسلامية المجاورة لفلسطين المحتلة، وعرض عليهم ” بصفته محايدا” وزعيم سلام حسب زعمه ، “يريد إنهاء حرب دامت لعقود بل لآلاف السنين”، خطة لإنهاء الحرب يفترض أنها تستجيب لعدد من مطالب الشعب الفلسطيني، لكنها تركت بعض البنود غامضة ومبهمة على أساس تدقيقها في المفاوضات، علما أن الخطة حتى بالشكل الذي عرض على القادة العرب واستحسنوها، تحقق للصهاينة أهدافهم من الحرب أكثر مما تنصف الفلسطينيين، و المؤكد أن فريقا أمريكيا وإسرائيليا هوالذي أنجزها وأشرف على إعدادها وكان حريصا على المصالح الصهيونية أكثر من حرصه على حقوق الشعب الفلسطيني، لكن بعد يوم من هذا اللقاء، استقبل ترامب رئيس وزراء الكيان ليعلن بعدها عن مخرجات جديدة للخطة مختلفة عما عرض سابقا على القادة العرب، وتلغي العديد من فوائدها على أهل غزة، ويعلن نتن ياهو عن قبولها فورا مع ما لذلك من دلائل قطعية على المساهمة في نسج خيوطها حسب مقاس ومصالح الكيان الصهيوني، وهذا ما يفسره إجماع الأطياف السياسية الصهيونية على قبولها، الأمر الذي يزكي مزاجية ومكر ترامب وتقلب مواقفه بين يوم وآخر بل ساعة وأخرى، كذلك رافق الإعلان عن هذه الخطة وعد ووعيد وتهديد من ترامب ونتن ياهو معا، فإما القبول بالخطة دون زيادة ولا نقصان، وإما الجحيم واتمام مهمة نتن ياهو القاضية بإبادة أكثر من مليوني فلسطيني في غزة، فإن صادقت عليها فصائل المقاومة فتلك مصيبة، وإن رفضتها فالمصيبة أعظم، لذلك يصدق على خطة ترامب الجديدة قول الشاعر أبو فراس الحمداني حين قال وهو يصف حاله في السجن:
وقال أُصَيْحابي الفِرارُ أوِ الرَّدَى فقلت هما أمْران أحلاهُما مُرَّ
إن أول ما يمكن استنتاجه من حدث طرح خطة ترامب هو طموحه في تحقيق مكاسب سياسية هامة على مستوى الشارع الأمريكي من أجل ربح الدعم الشبابي الذي فقده نتيجة دعمه اللامشروط لنتن ياهو سياسيا وعسكريا، في انتظار الانتخابات الأمريكية القادمة، كذلك بخطته هاته يريد إخراج نتن ياهو كمنتصر في هذه الحرب، ليخلصه من قضايا الفساد و المتابعات القضائية على المستوى الداخلي، ثم بعد ذلك محاولة تفادي محاكمته دوليا نتيجة اتهامه بجرائم الحرب من قبل المحكمة الجنائية الدولية، كذلك يلاحظ على الخطة أن العديد من بنودها جاءت فضفاضة حمالة معاني، ويمكن للطرف الصهيوني يئولها حسب هواه وما يحقق مصالحه ولا تقدم أي ضمانات للطرف الفلسطيني، لكن الأخطر في الخطة أن بنودها تشكل خطرا استراتيجيا على القضية الفلسطينية برمتها وليس فقط على فصائل المقاومة والسلطة الفلسطينية، لذلك يمكن إبداء العديد من الملاحظات على هذه الخطة الفخ:
– افتقاد هذه الخطة لأي سند قانوني دولي، كونها غير صادرة عن هيئة دولية مخول لها إصدار وثيقة تلزم شعبا بشروط مجحفة لم يكن طرفا في إنجازها وتقضي على جميع آماله في دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة اعترفت بها أغلب دول العالم (160 دولة)، كذلك تشكل اعداما للمرجعية الدولية ولعمل المؤسسات الأممية بسبب إخراج القضية الفلسطينية من الفضاء الرسمي الدولي الملزم إلى غابات المفاوضات الموحشة، علما أن الخطة أنجزت بعيدا عن حضور الفلسطينيين أصحاب القضية وطرف النزاع.
– إطلاق جميع الأسرى الأحياء وتسليم جثث الموتى الإسرائليين خلال 48 ساعة الموالية لتعليق العمليات العسكرية، مقابل إطلاق سراح معتقلين وجثامين فلسطينيين، حددت عددهم الخطة من طرف واحد دون التفاوض حول تناسب الأعداد ولا حول نوعية الأسرى من القادة أمثال المناضل مروان البرغوتي، كذلك خلال المرحلة الأولى تتوقف العمليات العسكرية دون وقف لإطلاق النار بشكل نهائي بل “تبقى خطوط القتال مجمدة حتى تتحقق شروط الانسحاب “، وهذا معناه أن القوات الصهيونية يمكنها استئناف القصف والمجازر ولن تعدم مبررا لذلك كما جرت العادة، واستهداف من شاءت بالقطاع دون رادع.
– وتضمنت الخطة ما سمي “بالعفو على عناصر حماس” الملتزمين بالتعايش السلمي ونزع سلاحهم، وتوفير ممر ” آمن ” لهم لمغادرة غزة إلى دول مستقبلة، وهنا تتناسل العديد من الأسئلة: كيف يجدر برئيس دولة تتبجح بالحديث عن الحرية وحق الشعوب في العيش الآمن بينما يُحرِم الفلسطينيين من حق المقاومة المشروع الذي يؤكده ميثاق حقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة، والعيش بسلام في الأرض التي شهدت ميلادهم، أما حكاية توفير الأمان لرجال المقاومة فتلك كذبة لا يصدقها أحد، وتاريخ الجيش الصهيوني حافل بالمكر والخداع والغدر وما قصف الوفد المفاوض بالدوحة ببعيد.
– حسب الخطة يتولى ترامب رئاسة “مجلس السلام” الذي يتكلف باستعادة السيطرة على غزة، وهو هيئة انتقالية جديدة ويضم رؤساء دول بمن فيهم رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير، ويضع هذا المجلس إطارا لتدبيرالقطاع وتمويل ” تنميته “، ويشرف على لجنة غير سياسية من فلسطينيين “مؤهلين” و “خبراء” دوليين، تتكلف اللجنة بتقديم الخدمات العامة والبلديات، و”سيضع المجلس برنامج حوكمة لتنمية الاستثمارالدولي بالقطاع”، كذلك ” ستنشأ منطقة اقتصادية خاصة بتعرفة جمركية وأسعار دخولٍ تفضيلية”. وهنا تطرح العديد من الاستفهامات: كيف لرئيس دولة عظمى مساحتها قرابة عشرة ملايين كلم مربع أن ينشغل بقطاع غزة يعد الأكثر اكتضاضا في العالم ولاتتجاوز مساحته 365 كلم مربع، مما يدل على الأهمية الحيوية والاستراتيجية للقطاع، ولذلك يقال: من يحكم فلسطين يحكم العالم، ثم إن بلير متهم بجرائم حرب في حق الملايين من العراقيين إبان غزو العراق في مارس 2003، وهو المعروف بميولاته الصهيونية التي لا يخفيها، كذلك ربط تسليم غزة للسلطة الفلسطينية التي تتهم بالفساد بعد قيامها بالإصلاحات المطلوبة، فما هي هذه الإصلاحات وما طبيعتها وما حجمها وما هي الجدولة الزمنية لذلك، وما معايير هذا الإصلاح المفترض، ومن له الحق في ضبطها وتدقيقها…إن رفض أي سلطة بالقطاع سواء سلطة حماس أو السلطة “القائمة”، هو إعدام للصفة الفلسطينية للقطاع، وتحويله إلى منطقة دولية حرة، تمهيدا لجعله ريفيرا الشرق الأوسط كما سبق لترامب أن صرح بذلك، وإذا أضفنا اتهام السلطة بالفساد في الضفة وقرار الصهاينة بضمها، فإننا أمام مشروع كبيروخطير يهدف إلى إقبارالقضية الفلسطينية برمتها إلى الأبد.
– تضمنت الخطة موافقة حماس والفصائل الأخرى على عدم الاضطلاع بأي دور في حكم غزة وتسليم سلاحها وتدمير أنفاقها وكل بنياتها التحتية وضمان أمن الكيان، ويعهد ” لقوة استقرار دولية ” ضمان نزع السلاح من غزة حتى لا تشكل أي تهديد للكيان، فكيف للمقاومة بصون أمن كيان هو أصلا مغتصب لأرض فلسطين، كذلك هي بنود تترك القطاع أعزلا أمام كل الترسانة العسكرية الصهيونية التي يمكنها اختلاق أي مبرر لغزو جديد مستقبلا والقيام بمجازر جديدة، كذلك يعتبر الكيان منتصرا في هذه الحرب وتعتبر المقاومة منهزمة لا يمكنها فرض أية شروط، رغم أن الفصائل ما زالت تحارب ولم ترفع الراية البيضاء، لذلك تجتمع بنود الخطة على عنوان واحد: القضاء على روح المقاومة وعلى وجود المقاومة حالا واستقبالا.
– تنص الخطة على انسحاب إسرائيلي متدرج من القطاع، وفقا لمعايير ومعالم وجداول زمنية مرتبطة بنزع السلاح من المقاومة، فإذا كانت الاستحقاقات المفروضة على فصائل المقاومة مضبوطة الزمان والمكان، فإن التزامات الصهاينة لا يضبطها زمن ولا أرقام وهي مرهونة بتأويل بني صهيون وتقديراتهم و أهوائهم ومصالحهم، فالإنسحاب من قطاع غزة لن يكون فوريا، بل سيكون مرحليا، في مراحل لم تحدد المناطق التي سيغادرونها ولا تواريخ هذه الانسحابات ولا مدة الانسحاب ولا حديث عن مكان المنطقة العازلة أومداها الجغرافي، وفي المحصلة ستبقى القوات الغازية الصهيونية في أجزاء كبيرة من القطاع ولن تبقى لسكان غزة إلا مسالك ضيقة تحدها القوات الصهيونية الغازية ومياه البحر المتوسط، فأية حياة مزدهرة هاته التي تسرق فيها الأرض الفلسطينية لتسلم للمستثمرين ويعيش فيها الفلسطينيون عبيدا مستضعفين.
– لعل من مكاسب هذه الخطة للصهاينة ما نصت عليه في موضوع إطلاق ترامب لعملية “حوار بين الأديان” “من أجل التعايش والسلام” ، وهو في الحقيقة بند يُدخل من تبقى من العرب والدول الإسلامية إلى حضيرة التطبيع، لتكريس التفوق الصهيوني الذي يسوق لنفسه زعامة الشرق الأوسط الجديد، لكن الأخطر في كل هذا أن الكيان الصهيوني يعتبرها مرحلة ونقلة نوعية في الصراع تقبر فيها القضية الفلسطينية من جهة، ويعطيه ترامب طوق النجاة استعدادا لمعارك مستقبيلة لمزيد من التمدد والتوسع، من أجل ميلاد إسرائيل الكبرى المدونة في نصوصهم المزعومة.
– البند العشرون من “الخطة اللغم” ينص على أن الولايات المتحدة الأمريكية “ستطلق” حوارا بين الصهاينة والفلسطينيين للاتفاق على أفق سياسي لتعايش سلمي ومزدهر”، فماذا أثمرت مفاوضات مدريد واتفاقات أوسلو وقبلها القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، وماذا أثمرت مفاوضات إطلاق الأسرى الإسرائيليين التي دامت سنتين، غير المزيد من التقتيل الهمجي الممنهج، وتدمير كل القطاع وبنياته التحتية، وبناء المستوطنات في الضفة والتنكيل بسكانها…وعن أي تعايش سلمي والكيان يحارب كل جيرانه ويهدد بالمزيد وبضم الضفة وإعلان إسرائيل الكبرى التي تشمل لبنان وسوريا والأردن وأجزاء من مصر والسعودية وتركيا…أما الدولة الفلسطينية فهي في خبر كان، وإلا لماذا رفض ترامب وانتقد الدول التي اعترفت حديثا بالدولة الفلسطينية.
رد حماس كان عبقريا من أجل نزع فتيل الحرب المدمرة على غزة وهو الأهم في هذه المرحلة، أما باقي بنود الخطة، فقد أوضح بيان حماس أنه ليس من اختصاصها البث في مصير الفلسطينيين ولا في مصير غزة أو الضفة الغربية وأن ذلك يرجع إلى القرار الوطني الذي يمكن أن تتخذه جميع القوى الفلسطينية في إطار تشاور وطني، لذلك “تلغي” حماس البنود التي لا تخدم القضية الفلسطينية بطريقة ذكية احترافية، وتنجح في إدارة الصراع خلال هذه المرحلة من أجل وقف التقتيل المنهجي الذي تمارسه عصابات جنود الاحتلال بهمجية، وتنزع من يد العصابة المتحكمة في بني صهيون الورقة التي يوظفونها في هذه الحرب، خاصة بعد التغير الجذري الذي تعرفه مواقف دول أوروبا من الصراع في الشرق الأوسط، و بذلك تضيف حماس مصطلحا جديدا إلى اللغة العربية : لَعَم، فهي تقول لا لبنود الوصاية الدولية على غزة وتهميش القوى الفلسطينية ونعم لتبادل الأسرى ووقف الحرب ودخول المساعدات والإعمار. وهو رد “أشاد” بدور الرئيس الأمريكي الذي يطمح إلى نيل جائزة نوبل للسلام بوصفه هو الذي “أوقف” حربا دموية في المنطقة الأكثر اشتعالا في العالم.
هذا الرد خلط الأوراق، وهو زلزال ودراما حقيقية للكيان، هو موقف لم ينتظره نتن ياهو حسب المتابعين الإسرائيليين أنفسهم، كونه كان ينتظر ردا سلبيا للاستمرار في الإبادة الجماعية في غزة، زلزال ثان تعرض له الكيان في نفس ليلة الجمعة 3 أكتوبر 2025، حيث كان رد ترامب سريعا فرحب بقرار حماس وقرأ أجزاء من بيانها وأشاد بقرارها وطالب من الصهاينة “وقف قصف غزة فورا”، قبل ودون الحديث مع نتن ياهو أو التشاور معه عن الموقف من بيان حماس، ولذلك فوجئ نتن ياهو من الموقف “المتسرع ” لترامب وترحيبه بقرار حماس.
بالتأكيد أن خطة ترامب هي نتاج مكر الليل والنهار الصهيوأمريكي في زمن التخاذل العربي، وإن دماء عشرات آلاف الشهداء والجرحى غالية الثمن ولن تذهب سدى، وليس أمام فصائل المقاومة سوى تدبير هذا الصراع بأقل الأضرار، إلى حين مجيء النصر الرباني الموعود الذي يكلل صبر أهل غزة وصمود فصائل المقاومة بتحقيق النصر المبين على قطعان بني صهيون (إن موعِدَهم الصُّبح، أليسَ الصبحُ بِقَريب) هود/81.



