
اليوم 732 من العدوان
م. إسماعيل العلوي
في مثل هذا اليوم قبل سنتين نفذ نخبة من كتائب القسام عملية هجومية غير مسبوقة على مستوطنات غلاف غزة، أطلقوا عليها “طوفان الأقصى”، إذ اتخذت قيادة القسام حينها قرارا خطيرا بتحطيم صورة رابع أكبر جيش في العالم، في غفلة من مخابرات العالم، واستخفاف تام بـ”عبقرية” أقوى جيش مدلل في العالم، فقد كان العالم نائما آمنا في السادس من أكتوبر، يختزن في ذهنه قناعة راسخة بأن “إسرائيل” رمز العبقرية اليهودية وقبلة التكنولوجيا العالية، ولديها “جيش لا يقهر” وجدارها الذكي لا يخترق، وبرامجها التجسسية عليها إقبال كبير من أغلب دول العالم..
ولكن في صباح السابع من أكتوبر، عبث أحد عناصر نخبة القسام بإعدادات العالم، وتجرأت الكتائب على تحويل عجلة العالم، وتلاعبت، مع سبق الإصرار والترصد، بأقوى “دولة” في الشرق الأوسط وجعلتها اضحوكة أمام العالم؟
وقد كانت الصدمة قوية على “اسرائيل” فأفقدتها توازنها وصوابها وذهبت بكامل هيبتها، وقامت مستعجلة باستدعاء كل جنودها، واعطتهم الأوامر بالقصف دون هوادة، ودك غزة عن بكرة أبيها..
فلم يجد قادة الكيان، بعد هيجانهم، إلا شعارات “النصر المطلق” و “سحق حماس” و”استعادة الرهائن بالقوة العسكرية”، وأطلقوا يد جيشهم المهزوم لقصف كل الغزيين الذين كانوا بالأمس من الفرحين!! فما بعد الصدمة والهيجان إلا العربدة والانتقام، ولا فرق بين المنازل أو المسؤسسات، ولا بين المستشفيات والجامعات.. فمن أجل حق “الدفاع عن النفس” أحلت “اسرائيل” لنفسها تجاوز كل الخطوء الحمراء، فليس هناك في غزة أطفال اوعجزة أو نساء، فلتقصف المدارس والمساجد ومراكز الإيواء وكذا بيوت المعلمين والفنانين والأدباء، وكل المسعفين والممرضين والأطباء.. والخلاصة أن ليس في غزة أبرياء…!!
ولكي نقترب من حجم الهجمة الهمجية المنهجية على المنازل فيكفي أن نقوم بإطلالة على بيان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة الذي نشر أمس، فقد تمت إبادة المنازل بلا رحمة حتى فاقت عدد الشهداء والجرحى! إذ دمر الاحتلال الصهيوني 416000 وحدة سكنية بشكل كامل أو بشكل بليغ غير صالح للسكن، ناهيك عن 153000 وحدة سكانية دمرها بشكل جزئي، فكانت بحق “إبادة منزلية” DOMICIDE
وفي الوقت نفسه ينتقل العدو من إبادة الإنسان والعمران إلى إبادة البيئة بكل مستوياتها في غزة، وتدمير كل مستلزمات عيش الأجيال القادمة، إذ يستهدف موارد المياه والتربة والأراضي الزراعية والآبار والثروة السمكية والهواء!.
فقد كان الهدف غير المعلن ممارسة العقاب الجماعي على غزة وإبادتها عن بكرة ابيها وتهجير سكانها، حتى يكون ذلك درسا قاسيا لها وكيا لوعيها وانتقاما من مقاومتها ..
ولكن بعد كل هذا الهيجان الهمجي والإبادات الفظيعة التي اقترفها الكيان، بدعم سخي من كل الغرب وبعض العُرب والأمريكان، لم يقترب النتن من “النصر المطلق” وهزم هنالك الجيش الجبان، وإنها لعمري من بركات الطوفان..
فكيف لمدينة صغيرة بها فئة قليلة كانت منذ عقدين من الزمان تعيش تحت الحصار، فقامت بعملية جريئة غير مسبوقة جرت عليها 730 يوما من القصف والابادة والتجويع والدمار، بالله عليكم كيف استطاعت ان تتحمل أطنان المتفجرات وكل تلك الخسائر والأضرار، فقد ظلت صامدة صابرة عصية على الاستسلام أو الانكسار..
حاش لله ما هؤلاء بشرا !!
بعد حولين كاملين من القصف والتهجير والتجويع والدمار، رصد العدو اليوم إطلاق صاروخ من شمال غزة ودوت مجددا صفارات الإنذار، وما على المستوطنين في غلاف غزة إلا الهلع والهرب والفرار!! ولعل تلك الصفارات قد تذكرهم بذلك القرار، الذي اتخذه الضيف وعيسى ويحيى السنوار..!!
ومن بركات الطوفان عودة القضية الفلسطينية إلى أوجها وزخمها واهتمام المجتمع الدولي بها، بعد ان كادت تنسى وأدار الجميع ظهره لها، فمن طوفان التعاطف في صفوف الشباب وأحرار العالم مع شعب فلسطين، إلى طوفان الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، مرورا بطوفان التحول السريع في الوعي الدولي تجاه “إسرائيل” والنتن بنيامين!! مما يؤشر على عزلة و زوال الكيان الصهيوني اللقيط ولو بعد حين..
وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه العالم الغربي “سحق حماس”، هاهو حسب الرئيس ترمب يقدم “هدية لحماس”، بل هذا الرئيس المتقلب نفسه كان ينتظر مترقبا “رد حماس”، وفرح كطفل مدلل ب”موافقة حماس”، وإن كان في كل مرة يهدد بفتح باب الجحيم أمام حماس!! وبعيدا عن العاطفة والانحياز والحماس فقد اعجب الكثير من المحللين المنصفين بذكاء بل “عبقرية” رد حماس!
وأخيرا: فبعد حولين كاملين من العدوان، هاهي ذي بركات الطوفان، فهناك تراجُع واضح ومتواصل في دعم “إسرائيل” من المواطنين الامريكان، سواء على مستوى الجمهور الواسع والرأي العام أو على مستوى البرلمان ..
فبحسب استطلاع أُجراه معهد “بيو” في أواخر مارس 2025، بلغ معدل الأمريكيين الذين يبدون رأياً سلبياً تجاه “إسرائيل” 53%، وهو رقم قياسي، وقد اعترفت الصحف العبرية بذلك ونشرت النتائج الصادمة، حيث وصلت نسبة التعاطف مع “إسرائيل” في مقابل الفلسطينيين إلى أدنى مستوى لها منذ 25 عاماً !! إذ ارتفعت نسبة الدعم للفلسطينيين بشكل متواصل لتصل إلى 33%، أليس ذلك من بركات الطوفان؟ّ!
بل قد تم تسجيل تراجع الدعم حتى في صفوف الجمهوريين خصوصا الفئة العمرية 18-34عاماً، كما لوحظ التراجع نفسه في أوساط الشباب الإنجيليين، من 69% في سنة 2018 إلى 34% في سنة 2021، وما زال التراجع مستمراً، وقد لخص أحدهم ذلك بجملة واحدة : “إن إسرائيل في مأزق”
وبكلمة : فمع كل الأضرار والخسائر والأهوال، فالاحتلال إلى زوال..




