
تعيش الأحزاب السياسية المغربية منذ عقود أزمة عميقة ومتعددة الأبعاد، جعلتها تفقد الكثير من مصداقيتها وفاعليتها في تمثيل المجتمع وتأطير المواطنين. فرغم أن الدستور المغربي يمنح الأحزاب موقعًا مركزيًا في الحياة السياسية، باعتبارها أداة للتأطير والمشاركة في الحكم، فإن الواقع يكشف عن تآكل دورها، وتحولها في كثير من الأحيان إلى وسائط انتخابية فاقدة للروح الديمقراطية، ومؤسسات مغلقة تنتج نفس الوجوه والقيادات لعقود طويلة.
1. إنتاج نفس الوجوه: احتكار النخب وضعف التداول الداخلي
يُلاحظ أن أغلب الأحزاب المغربية تعاني من انغلاق داخلي في بنيتها التنظيمية، حيث تظل القيادة محصورة في دائرة ضيقة من الأشخاص الذين يعيدون إنتاج أنفسهم في كل مؤتمر حزبي، مع غياب تجديد حقيقي للنخب. وهذا ما يجعل المشهد السياسي متجمداً، إذ يظل المواطن يشاهد الوجوه نفسها تتنقل بين المناصب دون إبداع أو كفاءة جديدة.
ففي حزب الاستقلال مثلًا، ظلّت القيادات التقليدية مهيمنة على القرار لعقود رغم التحولات الاجتماعية والسياسية، وهو ما ينطبق بدرجة أخرى على أحزاب مثل الاتحاد الاشتراكي أو التجمع الوطني للأحرار، حيث تتوارث الزعامات المناصب وكأنها ملك خاص.
هذا الجمود لا يُعزى فقط إلى الرغبة في الاحتفاظ بالسلطة، بل إلى غياب ثقافة التداول الديمقراطي داخل التنظيمات، واستعمال الولاءات بدل الكفاءات كمعيار للترقي الحزبي.
2. صورة سلبية في التمثيل السياسي
تُظهر الممارسة السياسية المغربية في السنوات الأخيرة تراجعًا واضحًا في مستوى التمثيلالشعبي داخل المؤسسات المنتخبة، سواء على المستوى البرلماني أو المحلي. فالأحزابالتي يُفترض أن تكون همزة وصل بين المواطن والدولة تحوّلت، في كثير من الحالات،إلى أدوات لتوزيع المناصب والمكاسب، مما جعل صورتها في الوعي العام سلبيةومشوّهة.
في البرلمان، تتكرّر مشاهد الغياب المستمر عن الجلسات، حيث سجّلت التقارير الرسميةلمجلس النواب معدلات مرتفعة من الغياب، رغم التحفيزات المالية الكبيرة التي يحصلعليها النواب. وقد أثارت بعض اللقطات داخل قبة البرلمان موجات سخرية على مواقعالتواصل الاجتماعي، كحالات النوم أثناء الجلسات، أو تبادل النكات، أو الانشغال بالهواتفبدل مناقشة قضايا المواطنين. كما أن العديد من المشاريع القانونية ذات الأهمية الاجتماعيةأو الاقتصادية تمرّ دون نقاش جاد، في حين تتحوّل بعض الجلسات إلى تراشق لفظي أومجاملات حزبية لا تخدم المصلحة العامة.
أما على مستوى المجالس المحلية، فقد كشفت تقارير المجلس الأعلى للحسابات عنخروقات مالية وإدارية واسعة في تدبير عدد من الجماعات الترابية. فبدل أن تكون هذهالمجالس أدوات للتنمية المحلية، صارت مسرحًا لصراعات انتخابية ضيقة، حيث تُستعملالصفقات العمومية كوسيلة لترسيخ الولاءات، ويُمارس النفوذ لخدمة مصالح شخصية أوعائلية. حالات مثل ما عرفته جماعة حد السوالم أو بلدية برشيد أو بعض مجالس طنجةومراكش من شبهات فساد وتبديد للمال العام، تعكس عمق الأزمة البنيوية التي يعيشهاالتمثيل السياسي.
تنعكس هذه الممارسات على نظرة المواطن للمؤسسة السياسية ككل، إذ باتت كلمة “نائب” أو “منتخب” مرادفة في الخطاب الشعبي للانتهازية والاغتناء غير المشروع. فالمغاربةيشاهدون نفس الوجوه تتكرر في اللوائح الانتخابية، ونادرًا ما يُحاسَب أحد رغم تواترالتقارير الرقابية. ومع هذا التكرار، أصبح الوعي الجمعي يربط السياسة بالصفقات، لابالمبادرات أو القيم، وبالريع لا بالمسؤولية.
إن استعادة ثقة المواطن تتطلب إصلاحًا جذريًا في بنية التمثيل السياسي: ربط الحضوروالمردودية بالمحاسبة الفعلية، وفرض الشفافية في تدبير المال العام، وتجديد النخب عبرمساطر ديمقراطية داخل الأحزاب. فالصورة الحالية، إذا استمرت، ستجعل الفجوة بينالشارع والمؤسسات أكثر عمقًا، وقد تُفقد العملية السياسية معناها التمثيلي بالكامل.
3 الفساد الحزبي كمصدر للأزمة السياسية
حين يُطرح سؤال الفساد في المغرب، غالبًا ما يُشار إلى الإدارة أو الاقتصاد، لكن جذورالفساد تمتد في الواقع إلى الأحزاب نفسها، التي يفترض أن تكون رافعة للشفافيةوالديمقراطية، فإذا بها تتحول في كثير من الأحيان إلى مصدر لإعادة إنتاج الفساد وتدويرهداخل مؤسسات الدولة. فالأحزاب هي التي تفرز النخب التي تدير الشأن العام، وهي التيتمنح التزكيات الانتخابية، لكن هذه التزكيات كثيرًا ما تُمنح على أساس الولاء المالي أوالقرابة أو الزبونية، لا على أساس الكفاءة أو المشروع المجتمعي.
ظاهرة صاحب الشكارة، التي تتكرر مع كل استحقاق انتخابي، تمثل إحدى أبرز صور هذاالانحراف. فقد صار المال السياسي عنصرًا حاسمًا في تحديد من ينال التزكية ومن يُقصىمنها، حتى داخل الأحزاب التي ترفع شعارات النزاهة والشفافية. ففي الانتخابات الجماعيةوالتشريعية لسنة 2021 مثلًا، تفجّرت خلافات حادة داخل أكثر من حزب بسبب ما سُمّيبيع التزكيات، حيث تم تداول أسماء مرشحين دفعوا مبالغ مالية كبيرة مقابل الحصول علىرمز الحزب، سواء في أحزاب كبرى مثل الاستقلال والأصالة والمعاصرة والتجمعالوطني للأحرار، أو في أحزاب صغيرة تبحث عن التمويل عبر تأجير رموزها الانتخابية.
هذا السلوك لا يقتصر على لحظة الترشيح، بل يمتد إلى مرحلة ما بعد الفوز، إذ يتحولالمنصب الانتخابي إلى استثمار مالي يسعى صاحبه إلى استرجاعه بأضعاف مضاعفة عبرشبكات الزبونية وصفقات المصالح. لذلك نرى أن العديد من المجالس الجماعية والجهويةتتحول إلى ساحات لتبادل المنافع والمواقع أكثر من كونها فضاءات لتدبير الشأن المحلي. حالات مثل مجلس مدينة فاس أو جماعة الرباط أو بعض جماعات الدار البيضاء عرفتخلال السنوات الأخيرة صراعات مرتبطة بالمصالح الشخصية وتوزيع المناصب، لابالاختلاف حول البرامج التنموية.
كما أن ضعف الرقابة الداخلية في الأحزاب ساهم في ترسيخ ثقافة الإفلات من المحاسبة. فحين يُتهم منتخب أو مسؤول حزبي بالفساد أو بسوء التسيير، نادرًا ما يبادر الحزب إلىالتحقيق أو اتخاذ قرار تأديبي واضح، بل يُدافع عنه أحيانًا بدعوى “الاستهداف السياسي“. وهكذا تصبح الأحزاب جزءًا من منظومة حماية الفساد بدل أن تكون أداة لمكافحته.
إن أخطر ما في الفساد الحزبي أنه يُفرغ العملية السياسية من معناها. فحين تُمنح التزكياتعلى أساس المال، تُغيب الكفاءات، وحين يُشترى الولاء، تُقتل المبادرة، وحين تُسكتالأصوات المنتقدة داخل الحزب، تُقبر الديمقراطية الداخلية. والنتيجة هي مؤسسات منتخبةعاجزة عن إنتاج سياسات عمومية جادة، لأنها ببساطة تعكس شبكة مصالح لا مشروعًاوطنيًا.
ولا يمكن إصلاح المشهد السياسي المغربي دون البدء من هنا: تطهير الحياة الحزبية منالمال الفاسد، وتفعيل الرقابة الداخلية والشفافية في منح التزكيات، وربط الدعم العموميبمدى احترام الأحزاب لمبادئ الديمقراطية الداخلية. فبدون أحزاب نزيهة، لا يمكن بناءديمقراطية حقيقية، مهما حسنت القوانين أو تعددت المؤسسات.
4. التعدد الحزبي المفرط وفقدان المعنى
. بلغ عدد الأحزاب السياسية المغربية أكثر من ثلاثين حزبًا، أغلبها بلا حضور فعلي أوقاعدة جماهيرية حقيقية، وهو ما خلق مشهدًا سياسيًا متضخمًا من حيث العدد ومفرغًا منحيث المضمون. هذا التضخم العددي جعل الناخب المغربي يعيش حالة من الالتباس فيالتمييز بين الأحزاب، إذ تتشابه البرامج الانتخابية في العناوين الكبرى وتفتقر إلى العمقوالتميز. فالعديد من الأحزاب الصغيرة لا تمتلك رؤية مجتمعية واضحة، بل تكتفيبخطابات عامة وشعارات فضفاضة مثل “التنمية”، “الديمقراطية”، أو “العدالة الاجتماعية”،دون تقديم مشاريع عملية أو بدائل واقعية.
كثير من هذه الأحزاب لا تظهر إلا في موسم الانتخابات، لتتحول إلى ما يسميه بعضالباحثين “الأحزاب الموسمية” أو “الأحزاب الانتخابية”، التي لا تمارس أي نشاط سياسي أوتواصلي بين الدورتين الانتخابيتين. أمثلة ذلك عديدة، فهناك أحزاب لم يسمع عنها المواطنإلا عند توزيع التزكيات أو عند الإعلان عن نتائج الاقتراع، مثل حزب الإصلاح والتنمية،حزب النهضة، أو حزب الاتحاد المغربي للديمقراطية، وهي كيانات تفتقر إلى حضورميداني أو إعلامي واضح، وتبدو أقرب إلى “علامات انتخابية” تبحث عن موطئ قدم فيالخريطة السياسية من خلال التحالفات أو الحصول على الدعم العمومي.
أما الأحزاب الكبرى التي كان يُعوّل عليها لتأطير المواطنين وصناعة النخب، مثل حزبالاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب العدالة والتنمية، فقد دخلت بدورهافي دوامة من الترهل التنظيمي والصراعات الداخلية. حزب الاستقلال مثلًا عرفانقسامات متتالية بعد مؤتمره السابع عشر، بينما فقد الاتحاد الاشتراكي بريقه التاريخي كقوةمعارضة بعد مشاركته الطويلة في الحكومات، وتحوله إلى جزء من بنية السلطة التنفيذيةدون أثر ملموس على برامجه الإصلاحية. أما حزب العدالة والتنمية، الذي كان يمثلاستثناءً في المشهد، فقد عاقبه الناخب المغربي بقسوة في انتخابات 2021 بعد عشر سنواتمن قيادة الحكومة، إذ تراجع من 125 مقعدًا إلى 13 فقط، في مؤشر على تآكل الثقةالشعبية في خطابه وأدائه.
هذا الترهل الجماعي جعل المشهد الحزبي المغربي مشهدًا رمزيًا أكثر منه سياسيًا، تتناوبفيه نفس الوجوه على الواجهة، وتتكرر التحالفات البراغماتية بين أحزاب متناقضةإيديولوجيًا، كما حدث في تشكيل الحكومة الحالية التي جمعت بين التجمع الوطني للأحراروالأصالة والمعاصرة والاستقلال، رغم اختلاف مرجعياتهم المعلنة. مثل هذا التلاقيالبراغماتي أفرغ العمل الحزبي من مضمونه القيمي والفكري، وجعل الحزب في نظرالمواطن وسيلة للوصول إلى المناصب لا إلى خدمة المصلحة العامة.
وهكذا، تحولت الأحزاب المغربية من أدوات للتأطير والمشاركة السياسية إلى هياكلانتخابية محدودة الفعالية، مما انعكس مباشرة على نسب المشاركة في الانتخابات الأخيرةالتي لم تتجاوز 50% رغم التعبئة الرسمية الكبيرة، وهو ما يعكس حجم الأزمة البنيويةالتي يعيشها النظام الحزبي المغربي بين تضخم الشكل وضمور المضمون.
5. نحو إعادة نظرة شاملة في المشهد الحزبي
لقد آن الأوان لإعادة النظر جذريًا في المنظومة الحزبية المغربية، ليس فقط من حيث عددالأحزاب وتشتتها التنظيمي، بل من حيث وظيفتها ودورها في الحياة العامة. فالإصلاحالحقيقي لا يُقاس بعدد الكيانات السياسية، بل بقدرتها على تأطير المواطنين، وصياغةمشاريع مجتمعية منبثقة من الواقع المغربي وتحدياته، لا مجرد شعارات انتخابية ظرفية.
ينبغي أن يُعاد تعريف الحزب السياسي باعتباره فضاءً للتربية السياسية والمواطنة الفاعلة،لا مجرد وسيلة للوصول إلى المناصب أو توزيع الريع الانتخابي. فحين تتحول الأحزابإلى أدوات لتدبير الولاءات، وتُختزل في هياكل انتخابية تبحث عن الأصوات بأي ثمن، تفقدجوهرها كمؤسسات وساطة بين الدولة والمجتمع، وتتحول إلى عبء على العمليةالديمقراطية بدل أن تكون رافعة لها.
وفي هذا السياق، يُصبح من الضروري تفعيل المقتضيات القانونية التي تربط الدعمالعمومي بمدى احترام الأحزاب للديمقراطية الداخلية، وشفافيتها المالية، وتجديد نخبها علىأساس الكفاءة والاستحقاق. كما يجب تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة التي تضمن أنالأموال العمومية الموجهة للأحزاب تُصرف في التأطير والتكوين والبحث السياسي، لا فيالحملات الانتخابية أو تمويل المصالح الشخصية.
إن تجديد النخب الحزبية لا يمكن أن يتحقق إلا عبر فتح المجال أمام الشباب والنساء، لاكديكور رمزي يُستعمل في المواسم الانتخابية، بل كشركاء حقيقيين في صناعة القرارالحزبي والسياسي. فتمكين هذه الفئات هو رهان على المستقبل، وضمانة لتجديد الفكروالممارسة داخل التنظيمات السياسية.
كما أن القطع مع ممارسات شراء التزكيات واستعمال المال في السياسة يجب أن يكونمحورًا أساسيًا لأي إصلاح حزبي جاد، لأن المال حين يتحكم في الترشيحات، يفرغ العمليةالانتخابية من مضمونها الأخلاقي والديمقراطي، ويحولها إلى سوق للمصالح، بدل أن تكونتنافسًا على خدمة الصالح العام.
إن إعادة بناء الثقة بين المواطن والحزب تمر عبر مصالحة شاملة مع قيم النزاهة،والشفافية، والصدق في الخطاب، والجرأة في النقد الذاتي. حينها فقط يمكن أن تستعيدالأحزاب المغربية مكانتها كمؤسسات فاعلة في البناء الديمقراطي، لا مجرد واجهاتانتخابية تُستدعى كل خمس سنوات ثم تُهمّش
أخيرا
الأزمة التي تعيشها الأحزاب المغربية ليست أزمة أشخاص فقط، بل أزمة رؤية ووظيفة. فإذا لم تُراجع هذه التنظيمات ذاتها وتستعد دورها في تأطير المواطنين وتقديم البدائل، فإنها ستتحول إلى عبء على التحول الديمقراطي بدل أن تكون رافعة له. الإصلاح السياسي الحقيقي يبدأ من إصلاح الأحزاب، لأن من يفسد التمثيل يفسد الدولة.




