
في كل مرة يصعد اسم عالم من أصول عربية إلى المنصات العالمية، تشتعل في العالم العربي ما يمكن تسميته مجازًا بـ”معركة التبني”، ويتكرر المشهد ذاته: سباق محموم لإثبات الانتماء، وتعدد في الروايات، وكثير من الشعارات… وقليل من الفعل الحقيقي.
وهذه المرة، تدور المعركة حول العالم عمر ياغي، الذي نال جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025، مناصفة مع اثنين من زملائه. وفور الإعلان عن الجائزة، انطلقت أجهزة الإعلام في أكثر من بلد عربي تتسابق في نسب هذا الإنجاز إليها:
فالإعلام الفلسطيني احتفى به كـ”عالم فلسطيني”، لأن والديه من فلسطين.
والإعلام الأردني لم يتردد في وصفه بـ”الأردني”، كونه وُلد في الأردن لأبوين فلسطينيين لاجئين.
وظهر اسم ياغي في وسائل الإعلام السعودية كـ”عالم سعودي”، بعد منحه الجنسية السعودية عام 2021.
بينما الإعلام الأمريكي، بصفته الواقع الفعلي الذي احتضنه علميًا وأكاديميًا، قدّمه كـ”عالم أمريكي”، هاجر إلى الولايات المتحدة في سن الخامسة عشرة، ودرس وتدرّج أكاديميًا حتى أصبح أستاذًا بجامعة كاليفورنيا بيركلي، إحدى أعرق جامعات العالم.
في هذا المشهد، تبرز واحدة من أكثر الظواهر المثيرة للجدل في الفضاء الثقافي العربي: الرغبة في التبني بعد النجاح، لا قبله.
عمر ياغي لم يكن موضع اهتمام إعلامي عربي حين كان طالبًا شابًا، ولا حين بدأ أبحاثه في الكيمياء، ولا حين قضى الليالي في المختبرات يبحث عن طرق جديدة لبناء الجزيئات. لم يُعرض عليه دعم بحثي من مؤسسة عربية، ولا فُتحت له مختبرات أو جامعات في بلده الأم.
لكن ما إن حمل جائزة نوبل، حتى أصبح “ابننا”، وكل طرف يروي القصة من زاويته. وفي الواقع، فإن كل تلك الزوايا صحيحة جزئيًا، لكنها جميعًا تغفل الأهم: من أين جاء الدعم الحقيقي؟ وأين نشأ العلم؟ ومن الذي مهّد له طريق الإنجاز؟
في المجتمعات الغربية، يتم احتضان الكفاءات العلمية منذ وقت مبكر، بصرف النظر عن خلفياتهم، دياناتهم، أو جنسياتهم. عمر ياغي، حين وصل إلى أمريكا كمراهق مهاجر، لم يكن يحمل إلا آمالًا وطموحًا، لكنه وجد في النظام التعليمي والبحثي الأمريكي بيئةً تحترم الموهبة، وتستثمر في العقل، لا في الأنساب.
الجامعات التي احتضنته، والمؤسسات التي موّلت أبحاثه، والمجلات العلمية التي نشرت له، هي التي تستحق التبني الحقيقي. لأن التبني لا يكون بالشعارات ولا بالانتماءات العاطفية، بل بالرعاية، بالدعم، بالتمكين.
العالم العربي يعاني من هجرة العقول منذ عقود. علماء وأكاديميون ومخترعون وجدوا أنفسهم مضطرين للهجرة ليحققوا ما لم يستطيعوا تحقيقه في أوطانهم. وما إن يحققوا شيئًا، حتى تبدأ منصات الإعلام في الاحتفاء بهم، وكأنها كانت جزءًا من رحلتهم.
لكن الحقيقة أكثر إيلامًا: معظم العلماء العرب الذين يحققون إنجازات كبرى، يفعلون ذلك بعيدًا عن أوطانهم، وأحيانًا رغم أوطانهم.
ربما تكون جائزة نوبل التي حصدها عمر ياغي فرصة للتأمل في سؤال جوهري:
لماذا لا نصنع علماء مثل عمر ياغي، بدلاً من أن ننتظر فوزهم كي نتسابق على نسبهم إلينا؟
إذا أردنا فعلًا أن نفخر بعلمائنا، فالأجدر أن نوفر لهم المختبرات، وأن نمنحهم الحرية الأكاديمية، وأن نربط التعليم بالبحث، وأن نستثمر في الذكاء كما نستثمر في البنى التحتية.
لأن الأوطان لا تُقاس بعدد من تزعم أنهم “من أبنائها”… بل بعدد من دعمتهم وهم ما زالوا في طور الحلم.
في نهاية المطاف، عمر ياغي لا يحتاج لمن يتبناه بعد نوبل، فقد تبنّاه العلم، واحتضنته المؤسسات التي تؤمن بالمعرفة.
أما نحن، فربما آن الأوان أن نتوقف عن “معارك التبني”، ونبدأ معركة البناء.




