الاحتجاجات التي شهدها الشارع المغربي مؤخرًا، والتي قادها جيل زد، كانت بمثابة زلزال ناعم أعاد تشكيل نظرة المجتمع إلى هذه الفئة الشابة.
جيل تتراوح أعمار أفراده بين الثالثة عشرة والثلاثين، وُلد في رحم الرقمنة، وتربّى في أحضان وسائل التواصل الاجتماعي، ويعيش اليوم زمن الذكاء الاصطناعي.
إنه باختصار، جيل متصل بالعالم، يعيش زمن “السرعة الرقمية” بعقلية تتجاوز حدود الجغرافيا.
لقد ارتبطت صورة جيل زد، في الوعي الجمعي، بنمطية ساذجة: شباب يقضون أوقاتهم أمام الشاشات، غارقون في الألعاب الإلكترونية، يعيشون داخل عوالم افتراضية بعيدة عن هموم الواقع ومشاغل السياسة.
لكن هذه الصورة، وإن كانت مفهومة في سياق التحولات التكنولوجية، فهي سطحية لا تلتقط العمق الحقيقي لهذا الجيل.
فما نراه على الشاشات لا يعكس بالضرورة ما يجري في العقول.
قبل عصر الرقمنة، كانت الأجيال تتغير ببطء، وكان التغيير الاجتماعي والثقافي يسير بخطى بطيئة، مما جعل الفوارق بين الأجيال محدودة، وقد لا نلمس اختلافا كبيرا بينها.
أما اليوم، فقد صار التطور المجتمعي يجري بسرعة الحاسوب، متأثرا بسرعة التطور التكنولوجي.
فجأة وجدنا أنفسنا أمام هوة زمنية تفصل بين جيل يعيش على إيقاع الذكاء الاصطناعي وآخر ما يزال أسير منطق ما قبل الإنترنت.
إنها فجوة لم يسعف العقل الجماعي في استيعابها بعد، فكانت النتيجة سوء فهم عميق بين الأجيال.
غير أن الاحتجاجات الأخيرة كشفت وجها آخر لِجيل زد. جيل يفهم السياسة بلغته الخاصة، ويُدرك تناقضات المجتمع من زاوية مختلفة. إنه لا يرفض السياسة، بل يرفض النسخة القديمة منها. يتفاعل مع قضايا بلاده، لكن بعقل رقمي لا ينسجم مع القوالب الحزبية التقليدية.
إن سوء فهم هذا الجيل لا يعود إلى غياب الوعي، بل إلى اختلاف المنطق. جيل زد يعيش السياسة، لكن وفق قاموسه الجديد: الأمين العام الحزبي في نظره هو “أدمين” يدير منصة تفاعلية، وأعضاء الحزب هم “متابعون” يشاركون في النقاشات ويصنعون المحتوى. أما الحزب ذاته، فهو مجرد “مجموعة تواصل” تربط بين الأفكار لا بين المصالح.
هكذا يعيد جيل زد تعريف السياسة بلغة التكنولوجيا، ويحوّلها من مؤسسة مغلقة إلى فضاء تفاعلي.
ومع ذلك، يحمل هذا العصر الرقمي وجهًا آخر أكثر تعقيدًا. فبعض أفراد جيل زد بدأوا يخلطون بين الذكاء التقني والذكاء الإنساني، معتقدين أن التمكن من أدوات التواصل أو استعمال تطبيقات الذكاء الاصطناعي دليل على تفوق فكري، وذكاء خارق يفوق ذكاء باقي شرائح المجتمع.
لكن الذكاء الحقيقي، كما تثبته التجربة، لا يكمن في طول المكوث أمام الشاشات الذكية، بل في القدرة على تحويل التكنولوجيا إلى وسيلة للمعرفة والإنتاج والتواصل البنّاء.
إن التجارة الإلكترونية، وصناعة المحتوى، وريادة الأعمال الرقمية، كلها أمثلة على ذكاء عملي يخلق القيمة من داخل العالم الافتراضي.
وفي المقابل، ما تزال فئات من المجتمع تنظر إلى جيل زد نظرة ازدراء، وتصفه بأنه جيل “تلفان” بوسائل التواصل والألعاب الإلكترونية.
لكن هذا الحكم المسبق يغفل أن هذا الجيل هو نتاج عصره، وأن انغماسه في الرقمنة ليس هروبا من الواقع، بل بحث عن طريقة جديدة لفهمه والتفاعل معه.
جيل زد اليوم يعيش ازدواجية فريدة: فهو في الواقع وفي الافتراض معا، يتفاعل مع مجتمعه من نافذة الإنترنت، ويفكر بلغة كونية عابرة للحدود. هذه الثنائية جعلته يعيد تعريف مفاهيم مثل الانتماء، والمواطنة، والسياسة، والتعبير.
إنه جيل لا يقل وعيا عمّن سبقه، لكنه يترجم وعيه بوسائل تختلف جذريا عن أدوات الأجيال السابقة.
في نهاية المطاف، يجب أن ندرك أن تصنيفات الأجيال Z Y X، ليست سوى أدوات سوسيولوجية لفهم ديناميات التحول عبر الزمن، وضرورة منهجية لتيسير البحث الأكاديمي وليست أحكاما قيمية.
وعلى جيل زد أن يعي بدوره أنه ليس جيلا استثنائيا خارقا، بل استمرار طبيعي لتاريخ إنساني طويل، تختلف أدواته وتتغير وسائله، لكن جوهره واحد: السعي نحو فهم الذات والمجتمع في عالم سريع التحول، متأثر بسرعة تطور التكنولوجيا في زمن محكوم بالرقمنة ومرهون بالذكاء الاصطناعي.




