رأي

تدبر آية في فجر الجمعة (291) ترغيب في الإخلاص وترهيب من الخسران

بقلم ذ رضوان ابن شقرون

انطلاقا من قول الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنَ اَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ اَصَابَهَا وَابِلٌ فَئَاتَتُ اكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴿265﴾أَيَوَدُّ أَحَدُكُمُ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴿266﴾﴾
تحدثت الآية السابقة عن الذين يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى، فهم لا يجدون لها أجراً ولا ثواباً، لأن عمل المانِّ والمُؤْذِي كلا عمل، وفي هاتين الآيتين يضرب الله عز وجل مَثَلين لعمل نوعين من المنفقين:
النوع الأول المومن الذي ينفق ماله طلباً لرضى الله واقتناعاً بيقين وثبات بأنه صادق النية والإيمان، مخلص لربه في العمل والإنفاق متحقق أن اللَّه سيَجْزِيه على ذلك أوفر الجزاء، فمَثَلُ هؤلاء كمَثل بستان عظيم بأرض عالية طيبة نزلت عليه أمطار غزيرة، فإن لم تكن غزيرة فيكون في القليل البطيء منها خير وبركة، تتقبله الأرض فترتوي وتتغذى الأشجار فتثمر، فكذلك نفقات المخلصين تُقْبل عند الله وتُضاعف، قَلَّتْ أم كثُرت.
وأما النوع الثاني فهو المنافق الذي يظهر للنّاس أنَّ له أعْمالاً لكن أعماله باطلة لاغية إما لعدم إخلاصه، وإما لمنه واستكباره، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كل عمله وبطل: فالآية تشبه صدقة هذا النوع بمن كانت له بساتين بها خيرات من ثمار وفواكه، لكن هبت عليها عواصف أحرقت البساتين وأتلفت المحاصيل، ولم تعد له قوة كي يغرس غرساً أو ينتج فاكهةً، ولم يكن عند ذريته خير يعودون إليه، فهؤلاء يأتون يوم القيامة ولا حسنة لهم، قد ضيّعوا فرص العمل والإخلاص فِي شبيبتهم فخابوا في شَيْبتهم ووجدوا أنفسهم وذرياتهم ضعافاً مفلسين.
ففي الآيتين ترغيبٌ للمؤمنين في المثابرة على الصدق والإخلاص في العمل والثبات وتقوية الثقة، وترهيبٌ للمنافقين والشاكين من سوء العاقبة وخسران المآل والإفلاس يوم يحتاج الإنسان إلى نتائج عمله ويتمنى أن يجد من الحسنات ما ينجيه يوم الحساب، واللّه بصير بالناس وبأعمالهم فمجازٍ كلاًّ بما يستحق.
لكن الهيمنة المادية أمست مسيطرة على حياة الناس وتفكيرهم، قد أذهلتهم المادة عن الروح، وانساقوا مع هذه الحضارة المادية الناشفة من الإيمان العامرة بالشك المفعمة بقلوب خاوية ظامئة، ونفوس مائلة إلى الملذات والماديات!! حتى صار الإنسان لا يفكر إلا في الربح المادي فإذا أقرض، مثلا، أو اقترض قارن بين المبلغ الذي يدفعه اليوم وبين المبلغ الذي يسترده غدا فحينما يظهر له أن القيمة المادية تنقص تراه يطمع في الزيادة كي يعوض النقص المادي، لكنه ينسى، وربما يجهل، أن الرقم الذي ينقص مقداره في حساب الدنيا، يتضاعف ثوابه عند الله في الآخرة، فكل مبلغ أنفقه المومن سواء في الزكاة أو القرض الحسن أو في سبيل الله ينقص مقداره الرقمي في الدنيا مع الزمن لكن أجره القيمي وثوابه المعنوي يعظم عند الله في الآخرة. فهلا فكر إنسان اليوم في تغذية الجانب الروحي وتقوية الإيمان بما يفيد وينفع هنا وهناك، على المستويين المعاشي العاجل الفاني، والبعيد الآجل الدائم؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى