قراءة في فتوى المجلس العلمي الأعلى حول الزكاة
د. أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية
لا أملك تقرير الهيئة العلمية في المغرب التي أفتت الملك الراحل الحسن الثاني عندما طالبها بالرأي الشرعي في موضوع الزكاة مرتين، عامي 1979 و1998م. وذلك حتى نعرف ما الذي ذكروه ساعتها، ونقارن بين تلكم السنتين اللتين مضتا مع ما جاء في فتوى الزكاة هذا العام مع الملك محمد السادس. ولنعرف أوقع تقدم في موضوع تقنين الزكاة أم أن ركن إسلامنا لا يزال يراوح مكانه؟ وحتى نتحدث بالمقارنة عن الموانع التي منعت صندوق الزكاة من أن يعرف طريقه في حياة المغاربة. وكيف السبيل إلى تجاوزها؟ بل وكيف لنا أن نطور تلكم الاستشارات الشرعية القديمة؟ ونعدلها من خلال الواقع وتجربته التي تؤكد حاجة المغاربة إلى هذا الرأي أو ذاك؟ وهذا الاختيار أو ذاك؟
للأسف، لا نملك هذا التقرير للحديث في هذه القضية الشرعية العظيمة، ويتحدث غيري فيها أيضا بما عنّ له حماية لركن الزكاة ودفاعا عنه عمليا.
نصف قرن من الانتظار:
نصف قرن من الزمان تقريبا مضى على الدعوة الرسمية لإحداث صندوق الزكاة، ولم ير هذا الصندوق طريقه في حياة المغاربة العامة.
فقد دعا الملك الراحل الحسن الثاني إلى إحداث صندوق الزكاة مرتين، في عامي 1979 و1998، بغرض تنمية المشاريع الاجتماعية والتخفيف من حدة الفقر وشدة الحاجة. وقد بلغ إلى الناس بعد تلكم الدعوة أن اللجنة العلمية التي كلفت بالموضوع قد أنهت عملها بإعداد دليل للزكاة. ثم تجددت الدعوة من طرف الملك محمد السادس بوجوب تفعيل هذا الصندوق في عام 2004م.
لا شك أن هناك معوقات ومعوقين، حقنا أن نعرفها ونعرفهم، فنجتهد في مواجهتها ومواجهتهم، والتخلص منها ومنهم.
الموانع القديمة:
عندما استرجع المغرب استقلاله، نهضت الكفاءات العلمية لتنظيم المغرب وتحديثه، فتم الإعلان عن لجنة من كبار فقهاء المغرب لتقنين الفقه في جميع مجالات الحياة، وصدرت أسماؤهم ومهامهم في الجريدة الرسمية.
وقد أنجزت اللجنة العلمية أعمالها في ظرف وجيز، حيث واصلت مهمتها من غير كلل أو ترهل. ففرح المغاربة بقانون يهم أسرهم، وسمي ساعتها بمدونة الأحوال الشخصية التي صدرت عام1957م. وأتمت اللجنة عملها في الحياة المالية، فأنجزت قانون الأموال، لكن المغاربة لم يعرفوا هذا القانون الذي أنجزه فقهاؤهم. وقد اشتكى العلامة علال الفاسي من هذه الموانع والمانعين، فقرر وهو المقرر العام للجنة الفقهية: لقد أنجزت اللجنة ما تحملته بخصوص فقه الأموال إلى جانب فقه الأحوال، ولقد طال انتظار إخراج قانون المال بعد أن رأى الناس قانون الأحوال.
معرفة الأعلام:
ومما يعاب على فتوى المجلس العلمي الأعلى أنها صدرت ممهورة بختم المؤسسة من غير أن يعرف الناس أئمتهم الذين اشتغلوا على هذا العمل الجليل. وأما في مدونة الأحوال الشخصية لعام1957م فقد عرف الناس أسماء من أنجزها من الفقهاء والقضاة…وكذلك هو الحاصل في باقي المدونات التي صدرت بعد ذلك. فما الذي حجب عنا أسماء هؤلاء المفتين، وقد قال العلماء قديما: سموا لنا رجالكم..وقالوا: انظروا عمن تأخذون دينكم.
فالفتوى كما هو عنوانها: للمجلس العلمي الأعلى. والتوقيع إنما هو باسم رئيسها الدكتور محمد يسف. وكان المستحسن أن ترد أسماء هؤلاء الفقهاء، فيتعرف المواطنون عليهم.
فتوى الزكاة:
وهي على كل حال لها بالغ الأهمية من حيث إصدارها وقيامها على اختيارات معقولة، ووسطية شرعية معتبرة. ويكفيها شرفا اعتناؤها بركن من أركان الإسلام الخمسة.
مقصد الزكاة:
وركزت الفتوى على مقاصد الزكاة الأساسية، والتي حددتها الآية القرآنية الكريمة بوضوح، إذ قال عز من قائل:﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ (التوبة: الآية 104). فأكدت أن إعطاء الزكاة فيها نفع للمعطي قبل الآخذ، وأنها تحرره من الشح والبخل، ليس في حق أفراد معينين يشتركون معه الوطن فقط، بل وفي حق أمته أيضا. فمن منع زكاة الفقراء شحا، لا ينتظر منه سخاء للوطن غدا تلبية لنداء العطاء من أجل التنفيس عنه.
الزكاة والضريبة:
وحتى لا يلتبس على الناس أمر الزكاة مع حكم الضريبة، فقد بينت الفتوى أن لا تعارض بينهما، وأن الضريبة إنما فرضتها الدول على المواطنين من أجل تقديم مختلف الخدمات لهم، من تعليم وصحة وقضاء وطرق و أجور الموظفين…وأن الزكاة أمر إلهي قد حدد القرآن الكريم الفئات المستفيدة منه، وهي ثمانية، معروفة باسم: مصارف الزكاة الشرعية. ولذلك جاء في الفتوى:” فالزكاة حق محدد أوجبه الله في المال إذا بلغ مقدارا معينا، ليصرف على المستحقين المحددين في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ (التوبة: الآية 60)”(نص الفتوى).
توسيع وعاء الزكاة:
ويحمد للفتوى توسيعها لوعاء الزكاة، بحيث تشمل جميع القطاعات التي تكون مؤسسات الدولة، حيث أصبح هذا الوعاء يشمل قطاع الفلاحة؛ والماشية؛ وقطاع منتجات الفلاحة من غير الحبوب؛ وقطاع الغابات؛ وقطاع الصيد؛ وقطاع التجارة؛ وقطاع الصناعة؛ وقطاع الخدمات…
فاختارت اللجنة العلمية في الفتوى أداء الزكاة من خلال “التصنيف المغربي للأنشطة الاقتصادية” الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، وهو تصنيف مبني على 21 قطاعا و88 فرعا و274 شعبة و650 نشاطا.
فجميع القطاعات وفروعها وشعبها وأنشطتها معنية بالزكاة، وداخلة في مضمون وعائها.
توسيع مصرف في سبيل الله:
واختارت اللجنة العلمية مفهوما لمصرف (في سبيل الله)، فعرفته بأنه كل عمل فيه خدمة للإسلام فهو من مصارف الزكاة. وهذا مذهب مالك وغيره من الأعلام، القائل: سبل الله كثيرة. ونص الفتوى:ّ أما الصنف الآخر وهو “في سبيل الله”: فيعني مختلف أوجه نفع الإسلام”.
الزكاة نقدا:
ومما يحمد للفتوى أنها بعد قرار المجلس العلمي في أكثر من عام على جواز إخراج زكاة الفطر مالا، وأنه هو الأيسر للمعطي، والأفضل للآخذ. فإنها هاهنا تسير على نفس منهجها، فقررت إخراج الزكاة نقدا.
ففي قطاع الماشية نصت الفتوى على أنه:” يمكن أن تؤدى زكاتها نقدا على أساس تقدير ثمنها في السوق يوم زكاتها…
وأما ما عدا زكاة الحبوب وزكاة الماشية، فإن تقدير النصاب يدخل في زكاة النقود، بما في ذلك العروض، وهو تابع لنصاب الذهب والفضة”(نص الفتوى).
أجور الموظفين:
وكان اليمن حليفها عندما قررت الفتوى الزكاة في أجور الموظفين. ولا يخفى أن هناك أجور غليظة سمينة بالملايين ولا يؤدي أصحابها حق الله الواجب في حقهم، بل ولا يعلمون أن هذا المال تجب فيه الزكاة.
وقد أكدت اللجنة العلمية أن المال الذي هو للحاجات الأصلية لمعيشة الإنسان لا زكاة فيه. وأن ما زاد على مبلغ الحاجات الأصلية هو المعني بإخراج الواجب فيه.
ولم تترك اللجنة الكلام مبهما، بل بينت أن مبلغ مقدار الحاجات الأصلية المعفى من أداء الزكاة، هو الحد الأدنى للأجور في النظام المغربي وقت إصدار الفتوى، وهو:3266درهما.
فمن زادت أجرته على هذا المبلغ، فالزائد هو الذي يجب أن يعلم صاحبه أن ذمته مطوقة بالزكاة.
وبينت اللجنة أن أداء زكاة أجور الموظفين تكون كل عام، بجمع الزائد على المصروف الأصلي الثابت كل شهر، مضروب في 12 شهرا، والخارج هو واجب زكاة المسلم.
وسنكون ساعتها أمام أموال عظيمة إن لم تقهر الفقر والبؤس والحرمان، فلا أقل من تجفيف منابعه وتقليل نسبه.
ولم تترك الفتوى تقدير نصاب المصروف الشخصي/ الحاجات الأصلية لكل شخص، بل قررت المعيار المعتمد وطنيا يسري على الجميع من غير استثناء. وهو معيار في صالح الفئات الدنيا المقهورة على أمرها، ولا تتضرر منه الفئات التي فوقهم.
القطاع الفلاحي ومخالفة الإمام مالك ومذهب المالكية:
ومما يحمد للفتوى أنها قررت الزكاة في جميع المنتجات الفلاحية من غير استثناء. وبينت أن الزكاة تجب في الخُضَر والفواكه ونباتات التزيين كالورود، والنباتات العطرية كالزعفران، وكالمشاتل والفسائل والمستنبتات الصيدلانية والأعلاف والتوابل، وما يوضع في المشروبات كالقهوة والشاي…وهذه جرأة علمية محمودة.
إن مشهور مذهب المالكية عدم وجوب الزكاة في الخضراوات والمنتجات الفلاحية التي لا تدخل في معيار الاقتيات والادخار الذي حدده المذهب.
غير أن اللجنة خالفت معيار المذهب في الزكاة، فاعتبرت هذه الأنواع الفلاحية المدرة للثروة العظيمة مما تجب الزكاة فيها. وهذا مذهب الأحناف الذي اختاره كثير من أعلام المالكية وأشادوا به، ومنهم الإمام القاضي أبي بكر بن العربي في أحكام القرآن.
وإن كانت الفتوى قد ذكرت في المقدمة أنها اعتمدت في معظم أحكامها على ما ورد في المذهب المالكي. وقولها: معظم، تفيد أنها خرجت إلى غيره من المذاهب الإسلامية لما رأت من تحقيق المصالح في هذا الخروج.
وإن كنت أرى أن هذا الخروج يجد أصله في مذهب مالك وأصوله الكثيرة، ومنها: أصل مراعاة الخلاف. ومعناه: أن المذهب المالكي يقبل بأقوال المذاهب الفقهية التي تخالفه، وأنه يراعيها ويعتد بها، إذا رأى تحقيق مصلحةٍ للمكلفين منها، فعد ذلك أصلا من أصوله.
التوسعة في المعيار:
وكما يعلم الناس أن الزكاة لا بد فيها من شرط النصاب، لكن النصاب يختلف تقديره عند الفقهاء، أيكون بمعيار الذهب أو بمعيار الفضة؟
فمن راعى جانب الفقراء اختار الفضة معيارا للنصاب. ومن راعى جانب الأغنياء اختار الذهب معيارا. ولكل أدلته واعتباراته المبسوطة في كتب فقه الزكاة.
غير أن اللجنة العلمية وإن اختارت معيار الفضة رعاية لحق الفقراء والتفاتا منها إليهم بعد نسيانهم وحرمانهم أمدا طويلا من حقوقهم. وهذا ملحظ مسكوت عنه يتحقق بالرأي المعلوم في المذهب، ومع ذلك فإنها لا ترى بأسا لمن أراد اختيار معيار الذهب لتقدير نصاب زكاته. فقالت:” وتقترح الفتوى أن يكون التقويم في تقدير النصاب على أساس الفضة، ومن شاء أن يعتمد تقويم الذهب فله ذلك”(نص الفتوى).
هل تؤدى الزكاة من الأموال المحرمة:
والناظر في الفتوى يستشف أن الفتوى ذهبت إلى اعتبار الأنشطة المحرمة شرعا تؤدى من مداخيلها الزكاة ما دامت أنشطة معترف بها قانونا.
ومن ذلك نصت الفتوى على أخذ الزكاة من قطاع الخدمات، الذي يشمل: الخدمات البنكية؛ وخدمات الفنون والترفيه والتسلية…فالمعاملات البنكية الغالب عليها الربا. والفنون والترفيه كثير من أنشطتهما إن لم تكن محرمة فهي من المكروهات..
عندي نظر:
ذكرت اللجنة العلمية أن مصارف الزكاة ثمانية كما هو منطوق الآية 60 من سورة التوبة، غير أن بيانها لكل صنف جعلها تقول:” أما الأصناف الثلاثة، وهي: العاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، فإنها غير واردة في سياقنا الحاضر”(نص الفتوى).
وإني لا أرى انعدام هذه الثلاثة في واقعنا. فإن تنظيم الزكاة يحتاج إلى عمال يسهرون على ضبط الزكاة جباية وتوزيعا…فهؤلاء يأخذون راتبهم من مداخيل الزكاة، فإن تكفلت الدولة بهم واعتبرتهم موظفين في قطاع من قطاعاتها، فلا بأس ساعتئذ.
وأما المؤلفة قلوبهم، فلا يزال مستمرا إلى اليوم. وإن مساجد المملكة التي تعرف كل أسبوع جمهرة من الوافدين على دين الإسلام تعرفا عليه، أو دخولا فيه، يحتاجون إلى متابعة إسلامهم، وتحديد جزء من مال الزكاة للقيام بمهمة نشر الإسلام وخدمته تحبيبا وتأليفا.
وأما مصرف في الرقاب، فهو أيضا مصرف لا يمكن اعتباره متوقفا في ظل الحروب على الأمة، وآخرها حرب غزة، وحرب رهط اليهود على إخواننا في جميع ربوع فلسطين، وحرب بورما وغيرهم..وكثير من المسلمين في هذه البلاد وغيرها يقبعون في سجون الظلمة بسبب انتمائهم للإسلام. والذي يشرف المغرب وتاريخه أن يكون هؤلاء ضمن اهتمامنا، وتخصيص جزء من المال لفك رقابهم من أسر العدو الظالم لهم.
المنتظر:
بعد هذه الفتوى المباركة/ وما سبقها من الفتاوى والاستشارات الشرعية في الموضوع عامي 1979 و1998، وبعد الاستبشار خيرا بها، فإننا ننتظر ما يلي:
1ـ الإسراع بإخراج صندوق الزكاة، ثم الاجتهاد بعد ذلك في تجويده وهو يشتغل. وتصحيح ما يمكن تصحيحه بعد أن يرى النور.
2ـ أن تسهر لجنة من العلماء الذين لهم وزنهم واعتبارهم في البلد على هذا الصندوق حتى يتشجع الناس في العطاء لهذا الصندوق. وإن الذي يمنع كثيرا من الناس بالشح بأموالهم ما يرونه من فساد زمرة من المسؤولين…فيتولون هم بأنفسهم صرفها فيما يرون نفع العامة بها حسب معرفتهم بالشرع وبالواقع.
3ـ أن لا تؤدى الضريبة حتى تؤدى الزكاة، وذلك بأن تخصم نسبتها من نسبة الضريبة لكل من أدى زكاته. فإذا كانت الضريبة نسبتها أربعين في المائة أو أقل أو أكثر، فإنه يجب أن تخصم من نسبة الضريبة نسبة الزكاة، حتى لا نثقل على الناس الالتزامات المالية.
وبه أرى أنه ما دامت الزكاة تقدم خدمة اجتماعية للمواطنين، وتحبيبا لأهل الأريحية في العطاء أن يتم تشجيعهم على أدائها، وذلك بأن يخصم لكل مُزكٍ نسبة زكاته من نسبة الضريبة. فإذا قدم إثباتات أداء زكاة المال 2.5٪ أو الفلاحة العشر أو نصف العشر أو أي نسبة من الزكاة حسب أنواعها شرعا. فإن نسبة الضريبة تحدد بخصم نسبة الزكاة. وما دامت الدولة أصبحت من مهامها الخدمات الاجتماعية، فهذا الجزء من الزكاة يذهب إلى هذه الخدمات الشرعية.
4ـ أن تصرف الزكاة في مصارفها الشرعية المتعلقة بأهل الفاقة والحاجة وخدمة الإسلام. ولا يتم التوسع في ذلك، فتضيع مصاريف الزكاة ومشروعية فرضيتها.
والله الموفق لصالح الأعمال.




