لماذا نفرح في الرياضة ونفشل في غيرها؟
د. عبد اللطيف سيفيا
بقية الحديث …لماذا نحن دولة تفرح في الرياضة وتنتكس في غيرها من الميادين والمجالات التي تعتبر حيوية ومصيرية بالنسبة للمواطنين وللدولة ومؤسساتها … ؟
للأسف هذه التساؤلات الكثيرة والتي تضرب في عمق واقع مغربي بئيس ومشؤوم يحاصرنا من كل جانب ، تسببت في قيامه عدة عوامل غير شرعية ولا عقلانية ، جعلت مصير البلاد والعباد على شفا حفرة الضياع والفتنة بسبب الفساد المستشري بقوة في جل القطاعات ، إن لم نقل كلها ، وما آلت إليه الاوضاع من غليان تمثل في عدد ليس بالهين من مظاهر الاستنكار الشعبي ، منذ تولي الحكومة الحالية زمام الأمور ، من خلال ما اصطلح عليه بالانتخابات التشريعية التي لم تكن تمثل طموح المواطنين ولا رغبة ملك البلاد الذي عبر في أكثر من مناسبة عن عدم رضاه واقتناعه بما يسلكه المسؤولون من خلال ما ينهجونه من سياسة في تسيير الشأن المحلي والوطني على جميع المستويات بعد تنصيب عديمي التجربة والضمير الوطني الحي ، وكذلك ضعاف الشخصية ، ليزج بهم في مناصب القرار وفرضهم بقوة القهر على المغاربة ، وتحميل المسؤوليات لمن ليسوا في مستواها ، مما تسبب فعلا في تردي الأوضاع في كل المجالات سواء السياسية أو الاجتماعية أو التربوية أو الصحية أو القضائية وهلم جرا … والأمثلة في ذلك كثيرة ومتنوعة ، ومادام فاقد الشيء لا يعطيه ، فقد كان الحصاد شوكا والنتائج كارثية “والله يحفظنا من الآتيات” بحيث أصبحت “مرميطتنا مخلطة بكراع حمار ” حسبما يفيده معنى المثل العامي المغربي الشهير ، حيث تم تهميش المثقفين والعقلاء والاكفاء وتعويضهم بالأميين والرويبضات والتافهين ، وتم فسح المجال للبلطجية وأفراد العصابات ليتم إقصاء الكفاءات وأصحاب النيات الحسنة رغما عن أنفهم ، ليلزموا الصمت ويكتفوا بالتفرج المحتشم دون أدنى حراك أو تعبير عن عزمهم الإقدام على التصحيح والتوجيه والتغيير … فجاءت النتيجة عكسية إذ عمت الفوضى واستشرى الفساد بين العباد ، مما أصبح يهدد البلاد ويعصف بمقومات الدولة ومؤسساتها ويضرب في مصداقيتها ، ويهدد مكتسباتها بالسماح لأعدائها وحسادها في الداخل والخارج بالتكالب عليها ، هؤلاء الخونة الذين يترصدون لها منذ سنين ، ولا يدخرون جهدا في خلق القلاقل والمشاكل للمملكة المغربية الشريفة ، والعمل على إفشال مخططاتها التنموية وكل ما يساهم في تلميع صورتها وتحسين سمعتها الإقليمية والدولية ، هذه الجهات المعادية الغاشمة التي تخدم أجندات جهات حاقدة لا ترضى عما أصبح المغرب يكتسيه من صور التقدم والتحضر والنماء ، وما استطاعت المملكة المغربية تحقيقه من مكانة مرموقة في مصاف الدول المتقدمة والرائدة ، وذلك بفضل السياسة الحكيمة التي ينهجها قائد البلاد صاحب الجلالة الملك محمد السادس ، وارث سر والده المغفور له الملك الحسن الثاني صانع المسيرة الخضراء وثورة السدود العظيمة ، حاملا مشعل استمرارية التقدم والتطور ، متبعا لذلك وضع أسس ثورة جديدة تضمنها عهد محمد السادس الجديد ، في صور رائدة شملت عدة مجالات تهدف إلى خدمة التنمية البشرية والاجتماعية ، بموازاة مع مجالات أخرى أساسية وبالغة الأهمية كالصناعة والاقتصاد والسياحة والرياضة ، الأمر الذي تمكن المغرب بفضله من تبوؤ مكانة بارزة بين الدول والشعوب والأمم ، رغم التقصير الحكومي الذي لم يستطع مسايرة إيقاع مخططات وطموحات الملك ، مما خلق بعض الاختلالات في التوازن ضمن عدة مجالات مصيرية وخاصة الصحة والتعليم والتشغيل ، الأمر الذي أدى خلق عدم توازن واضح وكبير بين كل القوى الأساسية في المجتمع المغربي الذي أصبح منهوكا ماديا ومعنويا ، وخلق لديه تذمرا قويا وكرها كبيرا للمسؤولين واستياء عميقا من عبثهم بمصير البلاد والعباد ، ودفع بهم إلى فقدان الثقة في هؤلاء المسؤولين ، وبالتالي الثورة على الوضع الكارثي الذي أصبحت تعيش عليه البلاد ، مما أدى إلى خروج الشباب المغربي في مسيرات احتجاجية يشجب من خلالها الممارسات الخاطئة اللامسؤولة والاختلالات الناتجة عن السياسة التي تنهجها الحكومة الفاشلة ، والتي أبانت عن تقصيرها الممنهج في القيام بالواجب ، وضعفها الواضح في تسيير الشأن العام المحلي والوطني … وجعل التنمية تسير ، كما وصفها جلالة الملك ، بسرعتين متفاوتتين ، بحيث كانت السرعة المفرطة تستغل في قضاء مصالحهم ، وخصصوا السرعة البطيئة والمتدنية لمصالح البلاد والعباد ، مما كان سببا في خلق غل كبير تجاه الحكومة داخل طبقات المجتمع التي تضررت بقوة من جراء سوء التدبير هذا ، وتولد عنه غليان قوي في الشارع جاء على صورة مظاهرات ومسيرات حاشدة ، رافضة ومستنكرة للوضع المتأزم سميت بثورة “جيل Z”
هذه الثورة التي وصفت من طرف البعض بأنها نقمة على البلاد ، والتي لم يعد أصحابها يرغبون في التفاوض مع الحكومة لانعدام الثقة فيها ، في حين أن جهات أخرى وصفت هذه الثورة التي قام بها الشباب بنعمة كبيرة عليهم وعلى الشعب المغربي قاطبة ، بعد الالتفاتة التي أولاها ملك البلاد لمطالبهم التي عبروا عنها بلغة صريحة وعبروا معها عن تشبتهم بالعرش العلوي المجيد حتى لا يركب على موجتها بعض المناوئين للنظام الملكي وتحويرها وجعلها تصب في سياق بعيد عما تحمله هذه الثورة التصحيحية التي أكد شبابها من حلالها على إلحاحهم في تدخل الملك شخصيا ، بعد سحبهم ثقتهم في الحكومة المتغولة والمتسببة في هذا الغليان الشعبي ، آملين من جلالته إيجاد حلول مناسبة ، جادة وعملية ، تعبر عن راهنيتها وتجعلنا نفرح في الرياضة التي تمكن المغرب من قطع أشواط متقدمة وتحقيق إنجازات هائلة وعظيمة فيها ، لكن نرجو أن تكون بتواز مع غيرها من الميادين والمجالات الأخرى التي تعتبر حيوية ومصيرية بالنسبة للمواطنين وللدولة ومؤسساتها والعمل على اتباع تعليمات الملك فيما يخص سير التنمية في البلاد بسرعة واحدة دون انتكاسة في أي من القطاعات أو تمييز بين المناطق والمدن والجهات … واضعين كل الثقة في قائد البلاد الذي يكن له الجميع كل المحبة والاحترام والتقدير … وللحديث بقية …




