رأي

زكاة الرواتب في فتوى المجلس العلمي الأعلى

د. أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية

لم تكن الرواتب المالية في شكلها الحالي من تصرفات الناس في العصور الأولى للإسلام، حتى نعلم كلام أهل العلم فيها. وإنما كان الناس يأكلون بجهدهم على شبع بطونهم، أو بجزء مما يدره عملهم يتوافقون عليه أو يحتكمون إلى ما هو جار به عمل القوم. هذا هو الغالب في الأعمال.
أما اليوم فقد أصبحت الرواتب المالية والأجور بالنقود هي غالب ما عليه الناس في جميع البلدان. ولو كانت الرواتب المالية بشكلها الحالي في عهد النبوة وعهد العصور القريبة لكان لنا تراثا من الفقه لأهل العلم، اجتمعوا عليه أو اختلفوا فيه.
وحيث إن هذا الموضوع من نوازل هذا العصر، فقد أصبح الكلام متعينا لهم لا لغيرهم. وما يعولون عليه قبولا أو رفضا من أقوال من سبق إنما هو جميعه من باب الرأي.
أقوال أهل العلم:
ـــــــــــــــــــــــــــ
ويمكننا أن نأتي على ذكر أقوالهم بأنهم اختلفوا عموما إلى اتجاهين كبيرين:
الأول: منع الزكاة في الرواتب والمداخيل المالية للناس. إلا إذا مر على المال المستفاد حولا كاملا مع بلوغه الحد الشرعي(النصاب).
الثاني: تجب فيه الزكاة، ما بلغ النصاب. وليس شرطا مرور الحول عليه.
أدلة القول الثاني:
ـــــــــــــــــــــــــــ
واستدلوا على وجوب الزكاة في المكاسب ومنها الرواتب المالية، بعدة أدلة، أهمها:
الدليل الأول:
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
إن اشتراط الحول وإن كان معولا عليه في أبواب الزكاة، فإنه ليس شرطا في كل نوع من أنواع الزكوات. ومن ذلك الزروع الثمار التي تجب فيها الزكاة بنص الآية:” وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده”[الأنعام:141].
فربطت الآية إيتاء الزكاة بيوم الحصاد بعد التصفية، ويوم الحصاد ليس متوقفا على الحول. بل إننا لنجد كثيرا من الزراعات يتم فيها الحصاد مرتين في العام ولعله عند بعضهم ثلاث مرات.
الدليل الثاني:
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
قوله تعالى:” يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض”[البقرة:267].
استدلوا بالآية على وجوب زكاة الرواتب التي تدخل في الكسوب بعموم هذه الآية، وهي التي استدل بها الأحناف على فرضية الزكاة في المكاسب.
الدليل الثالث:
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
ومما أسسوا عليه القول بوجوب الزكاة في الرواتب أن الفلاح الذي يملك خمسة أوسق يجب في محصوله الزكاة، لقوله صلى الله عليه وسلم:” ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة”(مالك والشيخان).
والوسق بتحديد موازين اليوم يختلف بين زرع وآخر، فهو في الشعير في حدود450 كيلو، وفي القمح في حدود:600 كيلو غرام.
فإذا أخذنا بأعلى ما قيل، وهو: 600 كيلو غرام. فإن الفلاح الذي يشتغل عاما كاملا، ويبذل جهدا متواصلا في هذه المدة الطويلة، ثم لا يكون من جهده إلا خمسة أوسق، فإن عليه أداء زكاة كسبه.
قالوا: وكيف تفرض الزكاة على من بلغ مدخوله خمسة أوسق في السنة، ونعفي من يبلغ مدخوله كل شهر مئات أو آلاف أو ملايين الأوسق؟؟
هذا قول غريب في النظر الفقهي.
رد على أدلة القائلين بزكاة الرواتب:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورد عليهم بأن الزكاة عبادة لا يقاس عليها، ولا تقبل دخول الأقيسة فيها. ولم يتأخر ردهم على الرد. فقالوا: إن الزكاة ليست عبادة محضة، وإنما هي عبادة معللة معقولة المعنى، فلا داعي لادعاء تمحض التعبد فيها.
والتعبد عند المحققين ما لا يعقل معناه عند أهل العلم فضلا عن عامة الناس. وهو دليل عندهم على وجود الجهل بمعقولية التشريع فيما ادعي فيه التعبد، وأن على المسلمين كلفة دفع الجهل عنهم، بدفع التعبد عن مسائل دينهم ما استطاعوا إليه سبيلا.
ومع ذلك: فإن الوسع متحقق في موضوع القياس في العبادات بين مانع وقائل بجواز ذلك. فللقائلين سلف في القول.
النصاب:
ــــــــــــــــ
وإذ اخترنا القول القائل بأداء زكاة الرواتب، فإن أداءها لا يكون إلا بعد وجود النصاب فائضا عن الحاجات الأصلية للإنسان. لأن حوائج الانسان الأصلية لا زكاة فيها، لأنها من ضروريات حياته التي يجب خروج العطاء منها.
نصاب المجلس العلمي الأعلى:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإذ أوافق المجلس العلمي الأعلى في اختيار الرأي القائل بأداء زكاة الرواتب، فإني لا أوافقه في مقدار النصاب الذي اعتمده، للأسباب الآتية:
1ـ إن أهل العلم متفقون على أن الحاجات الأصلية للإنسان معفاة من الزكاة. والناس يعلمون من خلال الواقع الذي لا يرتفع أن مبلغ 10000درهـ، لا يقوم بالحاجات الأصلية إلا بشق النفس. وكثير ممن عنده هذا المبلغ يكمل حاجاته الأصلية في الشهر بالديون.
وحيث لم يعد هذا المبلغ قادرا على الوفاء بحاجات الإنسان، فعلينا أن نجتهد في اختيار المبلغ الذي لا يعنت الإنسان، والذي يبتعد عن حاجات المكلفين. والناس بفطرتهم اليوم، علموا أن مثل هذا المبلغ الذي تفضل المجلس العلمي الأعلى بضرب المثال به لم يعد محققا كفاية الانسان وأسرته الصغيرة فرفضوه وحق له هذا الرفض.
ولا يغبن علينا أننا أصبحنا أمام ظاهرة زواج الرجل بالمرأة العاملة حتى يتغلبا على ضمان هذه الحاجيات بالتعاون عليها بأجرتيهما معا. فكيف يقال بلزوم زكاة من عنده راتب 10000درهـ.
اللهم إن هذا منكر:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وبالمناسبة، علينا نحن أهل العلم أن نصيح بأعلى صوتنا دفعا للمنكر، إذ نرى ظلم المؤسسات والشركات…للمسلمين، حتى أصبحنا نعيش ونرى هذه المعرة بيننا. والتي تغتني فيها هذه المؤسسات غناء فاحشا، ولا يستطيع العامل أن يعيش بكرامة وهو يعمل عند هؤلاء الحيتان التي ترحم المخلوق.
ويرى الناس المواطن الذي يشتغل بالدول الغربية قادر بمدخوله أن يحقق به حاجياته ويوفر من ذلك شيئا يسعده، ولا يحلم بذلك العامل في بلاد الإسلام.
ولقد رأيت بأم عيني العامل البسيط في المطارات الغربية كريما، والعامل عندنا وفي كثير من البلاد الإسلامية يحتاج إلى التسول بطريقته أثناء عمله.
فعلينا أن نتظاهر على دفع هذا المنكر ونحن نتحدث عن بعض أحكام الزكاة، وإذا اختلفنا حول كثير من أحكام الزكاة، فلا أقل من أن نجتمع على المنكر البين، الذي نسيناه في حمئة الصراع حول العشر أو نصف العشر أو ربعه…وبعضنا يحلم وهو يتحدث في الزكاة بأن هذه النسبة ستقذف بالمغلوبين إلى نادي الأغنياء، وتخرجهم من الفقر وزمرة الفقراء.
الزكاة للمساكين:
ــــــــــــــــــــــــــــ
إن اختيار المعيار يجب أن يكون منه تحقيق مقاصد الزكاة، وهي نفع المصارف الثمانية التي حددتهم آية سورة التوبة. وأن لا يكون المعيار مؤذيا لهذه الفئات.
ومن مصارف الزكاة: الفقراء والمساكين كما هو منطوق الآية.
والمسكين عند بعض أهل اللغة والعلم، هو الذي يملك مالا، لكنه لا يقوم بحاجاته الأصلية إلا بشق النفس. وهو عندهم أفضل حالا من الفقير الذي لا يملك ما يقوم بحاجياته، وهو الذي يسمونه اليوم: من يعيش تحت عتبة الفقر.
وحيث قدم الله تعالى ذكر الفقراء على المساكين، فهذه إشارة إلى أن الأول أسوأ من الثاني، فَقُدِّم حتى يُقَدَّم. ومنهم من عكس. وفائدة معرفة هذا من هذا عند الفقهاء الحاجة إليه عند التعارض، فمن نقدم إذا تعارضا؟
والجواب: أنا نقدم الأسوا حالا اتفاقا. لكن: من هو الأسوأ؟ا
الفقير أسوأ حالا:
ـــــــــــــــــــــــــــ
وقد استدلوا بأدلة كثيرة في التأكيد على أن الفقير أسوأ من المسكين، من مثل قوله تعالى:” أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر”[الكهف: 79].
على تفسير للآية أن الله سماهم مساكين وهم يملكون سفينة. فوجود السفينة عندهم لم يخرجهم من دائرة المسكنة، لأن عائدها لا يفي بحاجاتهم.
وقد صح عن الفقهاء قولهم في مجموعة من القضايا الفقهية: ما بدأ الله به ذكرا، نبدأ به عملا.
رواتب الموظفين:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأرى من خلال واقع الناس اليوم، وظروف عيشهم المتوسط، أن الموظف الذي راتبه 10000درهـ، معدود في المساكين، لا تؤخذ منه الزكاة، بل هو أحق بها وأهلها.
معيار الذهب:
ـــــــــــــــــــــ
والذهب اليوم الذي لم ير المجلس العلمي الأعلى بأسا به لمن اختاره، واختار للناس الفضة معيارا لنصاب زكاتهم. لم يترجح عندي القول به بعد الاستماع لخبراء المال والأعمال. وذلك للاعتبارات الآتية:
1ـ إن الذهب الذي هو معيار النصاب عند علمائنا الأوائل، المحدد في عشرين دينار. لحديث علي رضي الله عنه:…وليس عليك شيء – يعني في الذهب – حتى يكون لك عشرون دينارا. فإذا كان لك عشرون دينارا، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك”(سن أبي داود).
وإن الذهب اليوم وهو معيار جيد معمول به في جميع البلاد، إنما يستقيم الأخذ به إذا لم يقع التلاعب به. وإن الدول المارقة المعلومة تتلاعب بتحديد سعره ارتفاعا ونزولا للتضييق على دول أخرى وإدخالها في أتون الأزمات.
إن ثمن الذهب المعتدل الذي كان يترواح بين 400 درهم/ للغرام إلى 500درهم، ليس هو هذا الذهب الذي تم النفخ في ثمنه ليصل إلى ما يفوق 900درهـ لعيار المغاربة 18 قيراطا. وإلى 1250 درهـ للغرام الواحد لعيار 24 قيراطا.
فلا شك أن هذا التسعير للذهب ليس سعرا طبيعيا، وإنما هو سعر مفروض على الدول في إطار الحروب المالية التي تجري رحاها بقوة وافتراس من طرف قراصنة الشعوب.
معيار الفضة:
ــــــــــــــــــــــ
وهو أيضا لا يمكن التعويل عليه، رغم أن القائلين به قد راعوا فيه حق الفقير. لأنه لم يعد معمولا به في واقع الناس. وإن شراء الفضة التي كانت حليا ودليلا على السعة عند النساء في زمن مضى، قد وقع هجر هذا المعدن، ولم يعد ذا بال عندهم، ولا يقدم في المناسبات كما كان ذات يوم من الأيام.
وإنه لمحزن اليوم أن نجد نصاب الفضة في حدود:6000درهم، ونصاب الذهب، في حدود: 90000 درهـ. فالفرق شاسع بينهما، كما بين الثرى والثريا كما يقولون.
فلنبحث للناس عن معيار شرعي من داخل المعايير التي قال بها أهل العلم، والتي لا تجحف بالفقير، ولا تعنت الغني، ولا يكون معيارا دخلته أيدي العابثين به.
المعايير الشرعية:
ــــــــــــــــــــــــــــ
وعندما تتبعت المعايير الشرعية المعتدلة: الذهب، والفضة، والحيوانات..وجدت أن أنصبتها عند اعتدالها وابتعاد العبث عنها، متقاربة على اختلافها وتنوعها. فيجب النظر في هذه المعايير زمن النبوة، هل كانت متقاربة أم كان الفرق بينهما فاحشا؟
هذا مما يجب التنبه له.
قبل عقد:
ـــــــــــــــ
كنت في مؤتمر دولي حول فريضة الزكاة بتونس، وقد نظمته مؤسسة علمية بالتعاون مع مؤسسة الزيتونة، ومما ذكرته ساعتها بين أيدي العلماء، أن الزكاة لا يستحسن منا أن ندفع الناس أثناء الحديث عنها إلى أن يعشوا في الوهم. ومن ذلك قول البعض: إن بسط الزكاة في الدولة، سينمحي الفقر بوجودها بيننا. إن علينا أن لا نعلق قلوب بسطاء الناس بما لا حقيقة له في الواقع، ولا يجوز التعلق بحكايات القصاص في هذا الباب.
نعم، إن الزكاة فريضة شرعية، وإن القصد منها كما في كتاب ربنا عز من قائل:” خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم”[التوبة:103].
فلم تعلق آية الزكاة قلوب الناس بمقصد الغنى ودفع الفقر. لعدة أسباب:
* الأول: إن الزكاة هي أوساخ الناس، والتنمية وإشاعة الرفاه والغنى لا يتحصل ذلك كله بالأوساخ.
* الثاني: إن نسبة الزكاة ضعيفة: ومع ذلك يضن بها كثير من الناس. وإذا عجزنا عن تحقيق التنمية والغنى بنسبة 97.5٪، فمحال أن يتحقق ذلك بالعشر أو نصفه أو ربعه.
* ثالثا: إن الذي يحقق التنمية ويشيع الغنى ـ وهو الذي نتجاهل الحديث عنه ـ هو: تقليب الأرض والتقلب فيها: زراعة وصناعة وتجارة، برا وبحرا وجوا..وغيرها من أعمال الحياة التي يكون الناس بها في كل الكون أغنياء أو مستوري الحال بها.
إن كثيرا من فقرائنا قد فُرض الفقر عليهم، وهم غالبية الفقراء. فلو مُكِّن هؤلاء من فرص إعمار الحياة، وتمت مواكبتهم وحمايتهم من الدولة، لحاربنا الفقر والفقراء. لأنه قد صح بالتأكيد أن الحيتان الكبيرة المتسلطة على الأموال، لا ترحم صغار الناس وضعفتهم والمبتدئين في مجال الكسب، فنرى اجتهاد هؤلاء الأباطرة في إزاحة هؤلاء عن التنمية والكسب.
وقد أصدرت الأمم المتحدة منذ عقود كتابا تحت عنوان: صناعة الجوع خرافة الندرة”، للتأكيد على أن الفقر صناعة في الدول، وليس قدرا وقع على الناس.
رحم الله أبا بكر الصديق:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يعيي بحسه وبدينه أن الدولة مسؤولة عن محاربة الفقر لا بإعطاء الناس، ولكن بحمايتهم. فكان مشروعه السياسي الذي أعلن عنه في أول خطبة من خطب تولي الخلافة، قوله: أيها الناس، وليت عليكم ولست بخيركم. القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له.
ابتلاء الصديق:
ــــــــــــــــــــــــــــ
وقد ابتلي رضي الله عنه في الذي ذكره للناس، فكان أن امتنعت كثير من القبائل في إعطاء ما وجب عليها من الحق. فقام بحماية الفقراء بتجريد الجيوش ضد هؤلاء، وقال كلمته المشهورة: والله لأقاتلنهم ولو وحدي، حتى يؤدوا حق الله أو تنفرد سالفتي.
فكان صادقا وصديقا في حماية الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى