
إنّ الإشكال الجوهري الذي تعاني منه بعض الكتل الحقوقية في العالم العربي، هو الانغلاق على حدودها الفكرية والتنظيمية، بحيث تضع حول نفسها أسواراً من التصورات المسبقة والمواقف الصلبة التي تجعلها غير قادرة على التفاعل مع غيرها من الفاعلين الحقوقيين أو مع المجتمع المدني الأوسع. هذا الانغلاق يجعلها تتحول من حركة حية قادرة على التمدد في المجتمع إلى جزرٍ معزولةٍ تكتفي بخطابها الداخلي وتعيش على فكرة الدفاع عن الذات بدل الدفاع عن القيم.
فالكتلة الحقوقية التي تظل حبيسة فضائها المغلق، وتتعامل مع قضاياها بمنطق “الداخل والخارج”، تفقد تدريجياً قدرتها على إقناع الرأي العام بعدالة قضيتها، لأنّ العدالة – في بعدها الحقوقي – لا تتحقق بالاقتناع الذاتي فقط، بل تحتاج إلى تأييد مجتمعي واسع وإلى تفاعل متبادل مع مختلف التيارات المدنية والسياسية والإعلامية. إنّ الحركة الحقوقية الناجحة ليست تلك التي تُحسن الدفاع عن أعضائها فحسب، بل تلك التي تحوّل معاناتها الخاصة إلى قضية عامة يشعر بها المجتمع بأسره، لأنّ المظلومية حين تظل حبيسة الجماعة تضيع في التفاصيل، أما حين تتحول إلى وعيٍ جماعيٍّ فإنّها تكتسب مشروعية اجتماعية وأخلاقية أكبر.
إنّ الانفتاح على التيارات الحقوقية الأخرى – مهما كانت خلفياتها الفكرية أو المرجعية – يُعدّ ضرورة لا خياراً، لأنّ التجارب الحقوقية الراسخة تملك خبرة طويلة في ملفات جبر الضرر، والمرافعة أمام المؤسسات الوطنية والدولية، وصياغة الحجج القانونية التي تثبت البراءة أو على الأقل تُبرز الخروقات المسطرية والانتهاكات الإنسانية التي رافقت الاعتقال أو المحاكمة. والانغلاق على الذات يحرم الكتلة من هذا التراكم المهني والمعرفي، ويجعلها تخوض معاركها بأدوات ضعيفة داخل فضاء مغلق لا يصل صداه إلى الرأي العام.
من جهة أخرى، فإنّ بقاء الكتلة الحقوقية في مكانها الرمزي المغلق يجعل من معاناتها قضية داخلية لا تجد صدى اجتماعياً، في حين أنّ الأصل أن تمتد المعاناة إلى الفضاء العمومي حتى تُصبح جزءاً من مأساة المجتمع. فكل معتقل – مهما كانت قضيته – له عائلة تتضرر من غيابه: أمٌّ مكلومة، أو زوجةٌ محرومة، أو أبناءٌ يُعانون من آثار الوصم الاجتماعي، وهذه الدائرة المتأثرة ليست بالضرورة حاملة لأفكاره أو منخرطة في مشروعه الفكري أو السياسي. إنّهم ضحايا بالدرجة الأولى، ومن واجب أي حركة حقوقية أن تُدافع عنهم من موقع المبدأ لا من موقع الانتماء.
وهنا تتجلى أهمية تحويل القضية من مسألة قناعات فردية إلى مسألة عدالة موضوعية. فالمعتقل – مهما كانت خلفيته – لا يُدافع عن براءته بقناعاته الفكرية، وإنما بالأدلة والقرائن التي تُثبت أنّه لم يرتكب الفعل المنسوب إليه، وأنّ ما جرى هو خرقٌ لمعايير العدالة والإنصاف. ولهذا فإنّ الكتلة الحقوقية المنفتحة على الفاعلين الحقوقيين الوسطيين والمستقلين، تستطيع أن تُحوّل الملف من نزاعٍ فكريٍّ إلى قضية إنسانية عادلة، لأنّها تملك شبكة علاقات وخبرة تراكمية تمكّنها من إدارة الملفات الحقوقية بمهنية وتجرد.
ويزداد الأمر إلحاحاً حين يتعلق بملفات المعتقلين الذين توفوا داخل السجون أو في مخافر الشرطة، حيث تتحول المأساة من قضية فرد إلى قضية عائلة بأكملها تبحث عن الاعتراف والإنصاف. فكيف يمكن لزوجة معتقل تُوفي داخل المعتقل أن تُثبت براءته وتحصل على تعويضٍ يضمن كرامتها وكرامة أبنائها؟ هنا لا تكفي الخطابات ولا العواطف، بل نحتاج إلى مقاربة حقوقية شاملة تدمج الفاعلين الحقوقيين، والمحامين، والإعلام، والمؤسسات الرسمية المعنية بحقوق الإنسان، من أجل تحقيق العدالة وجبر الضرر.
إنّ العدالة في هذا المستوى لا تُبنى بالانعزال ولا بالمزايدات، وإنما بالتعاون والتكامل بين مختلف التيارات الحقوقية، لأنّ القضية الحقوقية في جوهرها لا تنتمي إلى فكرٍ أو تيارٍ بعينه، بل تنتمي إلى مبدأ كوني هو كرامة الإنسان وحقه في الحياة والحرية والإنصاف. ومن هنا فإنّ انفتاح الكتلة الحقوقية على الآخرين لا يعني التنازل عن مبادئها، بل يعني الترقي بها إلى مستوى المصلحة العامة، وإدراك أنّ الدفاع عن الذات لا يكون فعالاً إلا حين يتحول إلى دفاعٍ عن الإنسان أينما كان.




