خطاب الوعيد لا يُعيد المسروق ولا يُصلح المؤسسات

بقلم: نعيم بوسلهام
من استمع إلى كلمة وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت وهو يتحدث عن نية الدولة في “محاسبة” بعض المسؤولين الجماعيين الذين سرقوا ونهبوا أراضي الدولة والمال العام، لا يسعه إلا أن يتساءل: أهو خطاب رجل دولة يؤمن بمساطر القانون، أم حديث ربّ عمل يوبّخ عماله ويحذرهم من إعادة الكرة؟
الأسلوب الذي صيغت به الرسالة كان أقرب إلى لغة التهديد منه إلى خطاب سياسي مؤسساتي يليق بمسؤول حكومي في دولة تُفترض فيها سيادة القانون. فقد بدا الوزير وكأنه يستعيد مشهد “الضبط والإعادة إلى الجادة” أكثر من كونه يعلن التزام الدولة بمسار قضائي واضح لمحاسبة المفسدين.
إن لغة “رجّع شنو سرقتي قبل ما نجبدو ليك القديم والجديد” لا تمت للحكامة بصلة، بل تكرس منطق المقايضة الأخلاقية الذي يحل محل العدالة، وكأن الفساد يُعالج بالموعظة لا بالمحاسبة. والحال أن منطق الدولة لا يقوم على الوعيد، بل على قوة القانون واستقلال القضاء الذي وحده يملك شرعية الردع والإنصاف.
الحكامة الحقيقية، كما نصت عليها الدساتير والتجارب الديمقراطية، ليست شعارات تُرفع في المناسبات، بل هي روح مؤسساتية تُواجه الفساد بإعمال المساطر القانونية بصرامة وحياد، دون استثناء أو انتقاء. فالعدالة لا تعرف التسويات الودية ولا “استرجاع ما سُرق” بشكل ودي، بل تعرف المحاكمة والمساءلة والمحاسبة، أيا كان موقع الفاسد.
ثم إن مواجهة الفساد لا تكون عبر “جبدان الودنين” أو “التخويف من القادم”، بل عبر فتح ملفات الفساد أمام القضاء، بكل شفافية، من أعلى الهرم إلى أدناه، من رئيس الحكومة إلى آخر منتخب جماعي، ومن كبار مسؤولي الإدارة إلى أبسط موظف يختلس أو يتلاعب بالمال العام.
التهديد لا يبني الثقة، والوعيد لا يرسخ دولة المؤسسات. وحده القضاء المستقل هو الكفيل بوضع حد لهذا النزيف المزمن الذي جعل من الجماعات الترابية بؤراً للنهب والمحسوبية، ومن المال العام غنيمةً يتقاسمها المتنفذون في صمت.
إن المغاربة سئموا من الوعود والخطابات الغاضبة، وهم لا ينتظرون من وزير الداخلية أن يتقمص دور الواعظ، بل ينتظرون منه أن يفعل القانون وأن يحيل ملفات الفساد إلى القضاء دون ضجيج ولا انتقائية. فإما أن تكون الدولة دولة قانون ومؤسسات، أو أن تظل مجرد شركة كبرى تُدار بمنطق التوبيخ والتهديد.




