رأي

كرة القدم أفيون الشعوب

مسرور المراكشي :

تمهيد :

لم تبلغ الرياضة هذه المكانة من قبل، وخاصة كرة القدم التي أصبحت لها سطوة كبيرة في هذا الزمان، وذلك بفضل التطور الهائل في وسائل التواصل، حيث استحوذت على اهتمام الملايين بل الملايير من المشاهدين، خذ على سبيل المثال فقط كلاسيكو برشلونه والريال، و الذي يتابعه بشغف كبير أزيد من ملياري مشاهد عبر العالم، ناهيك عن مباريات مونديال الكبار و الشباب..، بل حتى النخب المثقفة في كثير من الدول، تجد نفسها مدفوعة لمتابعة بعض المباريات “المصيرية” لفرقها الوطنية، باختصار اصبحت كرة القدم أفيون أو (قرقوبي) الشعوب بالدارجة المغربية، لقد صدق من قال إنها “الساحرة” المستديرة، إذن كيف أصبحت لها هذه القوة الرهيبة، في تحويل اهتمامات الشعوب الفقيرة عن العمل من أجل تغيير واقعها المزري..؟ وهل هناك خلط بين السياسة و كرة القدم كما يقول البعض..؟

_ لسان حال الشعوب “نموت جوعا و تحيا كرة القدم”..!!

نعم هذه حقيقة مشاهدة بالعين المجردة، وليست مبالغة أو خيال ولكم بعض المشاهد، عندما انهزم المغرب في نصف نهائي كأس العالم بقطر، خرجت جموع المحرومين من الشعب، تبكي حرمان فرنسا الفريق الوطني من الوصول إلى النهائي، ونسيت الحرمان اليومي الذي تعيش فيه، في المقابل خرجت الجماهير نفسها تبكي فرحا في جو من الهستيرية، بعد فوز المغرب بمونديال التشيلي، وبين البكاء و الفرح تتلاعب كرة القدم بمشاعر الشعوب، لهذا قلت أن لسان حال الشعوب يقول : ( نموت و تحيا كرة القدم..!! )، ولتعرفوا قوة هذه المصيبة المسماة كرة القدم، إنها تستطيع فرض حظر تجول في البلاد كلها، المدن والجهات والقرى و المداشر من طنجة إلى الݣويرة، الكل ملتصق بالأرض مشدود إلى الشاشة يتابع النهائي، فهل تستطيع ذلك وزارة الداخلية..؟ لن تستطيع إنها الملايين لأن عدد أفراد المخزن قليل، ولن يستطيعوا تغطية كل التراب الوطني، لكن الكرة تستطيع فعل ذلك بسهولة وبدون خسائر تذكر، إنها أقوى من وزارة الداخلية بل من الحكومة وحتى الدولة، وهذا مبرر كافي لجعل الدولة تنفق الغالي والنفيس على كرة القدم والملاعب و كل الفرق الوطنية من الشباب إلى الكبار، إنها أكبر جرعة مسكن و أقواها تساهم فى تثبيت الاستقرار، لهذا أوجه نصيحة لوجه الله تعالى لكل المناضلين سياسيين أو نقابيين ولكل النخب المثقفة : ( لا تتعبوا أنفسكم الدولة لن تتخلى عن هذا النهج، لأنها تعتبر المسألة بالغة الخطورة وهي بمثابة حياة أو موت.. )

_ فوائد كرة القدم كثيرة لا تعد ولا تحصى :

لن أتحدث طبعا عن الفوائد الصحية، لقد سبقني لذلك العديد من الأطباء و الخبراء في هذا المجال، أعلم أن اللاعب في الفريق الوطني، تسخر له كل الإمكانات المادية بشرية و تقنية، معد بدني محترف طبيب مختص آلات متطورة لترويض العضلات، نظام غذائي خاص نوم مبكر المهم أن يرتاح، لهذا تصبح لياقته البدنية تقاس بقوة (البغل و الحصان )، لا أريد هنا ذكر” الحمار” والسبب معروف رغم أنني أتحدث عن القوة فقط، سأضع كل هذا جانبا و أتحدث عن الفوائد السياسية، لقد اشتكى النظام الجزائري من خلط المغرب السياسة بالكرة، والحقيقة أن كرة القدم هي السياسة عينها، وذلك عندما وضع المغاربة خارطة البلاد على القمصان، إن كرة القدم تساهم فى توحيد المغاربة، بتقوية اللحمة الوطنية وتعزيز الانتماء و بعث الروح الوطنية، لقد شاهد الجميع كيف تفاعل مغاربة العالم مع الحدث، حيث رددوا النشيد الوطني و رفعوا الأعلام… خلاصة لا يمكن فصل الكرة عن السياسة أو العكس، على الصعيد الدولي شاهدتم كيف تم عقاب روسيا، بمنع رياضييها من المشاركة في أولمبياد باريس، بسبب حربها على أوكرانيا بل منعوا حتى كلاب السباق الروسية من المشاركة…

_ انا فين وانت فين يبان ليك الفرق يا مسكين..!!

هذا مقطع من أغنيه “قطار الحياة ” للفنان عبد الهادي بلخياط، يستهل المقطع بكلمة (شافيا شوفت لعدو ..)، طبعا ليست هناك”شوفة ” لعدو بينه وبين رؤساء الحكومات، إنه رجل خلوق لكن للمقارنة الطريفة فقط،
هذا المقطع هو لسان حال المدرب الوطني للمنتخب المغربي، وليد الركراكي موجها كلامه إلى رئيس الحكومة و كل برلماني، وحق له ذلك إنه ينعم براتب شهري قدره 70000 ألف يورو فقط، ما يعادل أزيد من 70 مليون مما نعد نحن ( إيوا قلوا باز )، هذا دون احتساب المنح و العمولات ( لبريمات )، إذن كم يتقاضى في العام وفي عشرة أعوام : ( إيوا اجمع لحساب يا بالمعطي )، ولو أراد 200 مليون أو أكثر لدرب الفريق الوطني السعودي، هذا لمن جعل تقاعد رئيس الحكومة 7 مليون “قضية” وطنية..،

_ كرة القدم تحاصر الشعوب …

أقسم لكم أن ثورات بدايات القرن الماضي، لن تعود لا ثورة العمال و لا ثورة الفلاحين و لا ثورة الطلبة ولا ثورة البوعزيزي، اليوم الشعوب مشغولة بكرة القدم، لقد أصبح عدد المتأهلين للمونديال 40 فريق ولله الحمد، بدل 24 في النسخة السابقة وهذا يشمل فئة الكبار والشباب، و موضة تفريخ بطولة المونديال تنتشر كالنار في الهشيم، مونديال الكبار و فئة دون العشرين و فئة دون 17 و دون 15 وربما يكون مونديال التلاميذ و روض الأطفال، ناهيك عن بطولات المحلية والقارية و الكأس الممتازة…، ستبقى الشعوب تلهث وراء البطولات حتى ينقطع نفسها، طبعا المستفيدون هم من يتحكمون في الثروات و يديرون السياسات…. تخيل معي لو توقفت كرة القدم في إفريقيا، لمدة سنة واحدة أضمن لكم أن أفريقيا ستنهض….!!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى