رأي

راشد الغنوشي… عندما يتحوّل نشر قيم غاندي إلى “جريمة” في تونس!

بقلم كمال عصامي

في مشهد صادم للرأي العام العربي والدولي، أصدرت المحكمة الابتدائية بتونس، يوم 14 نوفمبر 2025، حكماً بسجن الأستاذ راشد الغنوشي سنتين نافذتين، فقط لأنه تبرع بقيمة جائزة دولية لنشر قيم غاندي في السلام والتسامح لمنظمة الهلال الأحمر التونسي!

نعم… في بلاد كان يُفترض أن تنتصر للقيم، أصبح التسامح جريمة، والعطاء الإنساني تهمة، والتكريم الدولي سبباً للملاحقة.

جائزة عالمية… تتحول إلى ملف سياسي

الغنوشي حصل سنة 2016 على جائزة دولية مرموقة لنشر مبادئ غاندي في السلم والمحبة. وكان أول عربي يتوج بهذا الوسام الذي اعتبره كثيرون اعترافاً دولياً بمسار رجل قضى عقوداً يدعو إلى الحوار ويرفض العنف.

ولم يحتفظ الرجل بدرهم واحد من قيمة الجائزة، بل تبرع بها — أكثر من 14 ألف دولار — إلى الهلال الأحمر التونسي، المنظمة التي تقوم بأعمال إنسانية يعرفها الجميع.

ومع ذلك، تجد السلطة اليوم طريقة لتحويل هذا الفعل النبيل إلى تهمة!

هيئة الدفاع: “محاكمة سياسية بلا رتوش ولا حياء”

حسب ما أكدته هيئة الدفاع، فإن ما جرى لم يكن محاكمة بل عملية سياسية مكتملة الأركان، تشوبها خروقات صارخة:
• متابعة ملف سقط بالتقادم.
• اعتماد محاضر “باطلة ومختلة”.
• حرمان الدفاع من أبسط حقوقه القانونية في تاريخ القضاء الحديث.
• حجز الملف للمداولة في أول جلسة يحضرها الدفاع… وكأن النية كانت جاهزة والقرار محسوم.

إنها — بكل وضوح — محاكمة لا تريد سماع الدفاع… بل تريد فقط إصدار الحكم.

الرجل الذي أرادوا كسر رمزيته

من الواضح أن الهدف ليس الغنوشي كشخص، بل رمزيته. فالرجل، مهما اختلفت معه أو اتفقت، يبقى من أبرز الشخصيات السياسية والفكرية في تونس خلال العقود الأخيرة.

ومن الواضح أيضاً أن جزءاً من السلطة الحالية يعتبر هذه الرمزية خطراً يجب تكسير هالته بكل الطرق:
ملفات تتالى… اتهامات تتكاثر… ومحاكمات تتزاحم.

فهل أصبح القضاء جسراً لتصفية الحسابات السياسية؟

حين تصبح تونس في قلب السؤال

الحكم على الغنوشي اليوم يطرح سؤالاً أكبر وأخطر:

هل ما زالت تونس قادرة على حماية استقلال القضاء؟
هل ما زال بإمكان المواطن أن يثق في محاكمة لا تتجاوز فيها السياسة حدود القانون؟

إن ما وقع، كما تصفه هيئة الدفاع، يمسّ جوهر العدالة ويضرب مصداقية المؤسسات التي من المفترض أن تكون فوق الصراع السياسي.

خاتمة: الحقيقة لا تُحبس

قد يسجنون الأشخاص، لكن لا يمكنهم سجن الأفكار.
وقد يحاولون إسكات الأصوات، لكنهم لا يستطيعون إسكات التاريخ.

وسيبقى السؤال قائماً:
من يُحاكم مَن؟… ومن يظلم مَن؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى