منتدى القراء

القبايل بين واقع الاحتقان وغياب الحلول… واستحضار النموذج المغربي في الحكم الذاتي

هشام بلحسين

يمضي المغرب بخطى ثابتة نحو تنزيل نموذج الحكم الذاتي في أقاليمه الجنوبية، باعتباره أحد أكثر مشاريع اللامركزية طموحاً في المنطقة. وقد أتاح هذا التوجه للمملكة ترسيخ رؤية سياسية واضحة تقوم على تقوية الدولة عبر تمكين الجهات، وتوسيع صلاحياتها، وتكريس مشاركة محلية واسعة في تدبير الشأن العام. ونتيجة لذلك، تحولت الأقاليم الجنوبية إلى فضاء تنموي نشيط، مدعوم بمؤسسات جهوية منتخبة ومسؤولة أمام المواطنين، وبربط مباشر بين الاستقرار والتقدم الاقتصادي.

وعلى الضفة الأخرى، تستمر منطقة القبايل في الجزائر في إنتاج حالات توتر واحتقان، في ظل غياب إطار سياسي قادر على استيعاب خصوصياتها الثقافية واللغوية. ويزيد من تعقيد المشهد وجود “حكومة مؤقتة” في الخارج، وهو معطى يعكس محدودية المقاربة المركزية في احتواء مطالب المنطقة، ويبرز الحاجة إلى معالجة سياسية حديثة قادرة على تقليص الهوة بين الدولة وسكانها.

تُعد القبايل واحدة من أكثر المناطق حساسية في الجزائر، بحكم هويتها الأمازيغية المتجذرة وتاريخ مطالبها الثقافية والسياسية. وقد أظهر الواقع أن الاستمرار في تبني سياسة الإنكار أو الاقتصار على الحلول الأمنية لا يؤدي إلا إلى توسيع دائرة القطيعة، وتعميق الشعور بالتهميش، وترك المجال مفتوحاً أمام الخطابات المتطرفة أو الرافضة لمنطق الدولة المركزية.

لقد بيّنت التجربة المغربية أن تقديم حل سياسي مؤسساتي متكامل يشكل خطوة فعالة لقطع الطريق أمام النزعات الانفصالية، وأن منح الجهات سلطات اقتصادية وإدارية واسعة يحوّلها من بؤر توتر إلى شركاء حقيقيين في بناء الدولة. وقد أثبتت الأقاليم الجنوبية للمملكة أن الحكم الذاتي يمكن أن يتحول إلى رافعة تنموية قوية وإلى نموذج ناجح لإدارة التعدد داخل الدولة الوطنية.

وترتكز المقاربة المغربية على مبدأ أساسي واضح:
تثبيت الوحدة الوطنية عبر تقوية المشاركة المحلية.
هذا المبدأ شكل أساساً لنجاح نموذج الحكم الذاتي، وجعل منه تجربة ذات صدى إقليمي ودولي، خاصة في ظل النتائج التنموية والسياسية التي حققها.

في المقابل، ما زال النموذج الجزائري يعتمد مركزية صارمة ويفتقر إلى مؤسسات جهوية بصلاحيات فعلية، مع اعتماد مفرط على المقاربة الأمنية في منطقة ذات حساسية خاصة مثل القبايل. وهو ما يجعل الحاجة ملحة إلى مقاربة جديدة أكثر انفتاحاً وواقعية، تستوعب مطالب السكان وتعيد بناء الثقة عبر آليات تشاركية.

إن التطورات الإقليمية الحالية تكشف أن الحلول السياسية، لا الأمنية، هي القادرة على تحقيق الاستقرار الدائم. ومن هذا المنطلق، يبرز النموذج المغربي كإطار عملي يمكن استلهامه، نظراً لنجاعته وملاءمته لظروف دول تسعى إلى إدارة التنوع داخلها دون المساس بوحدة الدولة وسلامة ترابها.

ومع توجه المملكة إلى تعزيز مشروع الحكم الذاتي وترسيخه كنموذج ناجح في محيطها الإقليمي، تبدو الجزائر مدعوة إلى تطوير مقاربتها الخاصة بما ينسجم مع روح العصر وتطلعات مناطقها الأكثر حيوية، وفي مقدمتها القبايل، من أجل بناء توازن جديد يربط بين الاستقرار والتنمية والاعتراف بالتنوع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى