
انطلاقاً من حديثٍ منسوبٍ إلى عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما مَرويٍّ في كتب التفسير:
أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نزل هو والمسلمون في إحدى غزواته بمكان لا يرون من العدو أحداً، فوضع المسلمون أسلحتهم وهم يستحضرون قول الله عز وجل في سورة النساء: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَن اَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمُ إِنْ كَانَ بِكُمُ أَذىً مِّن مَّطَرٍ اَوْ كُنْتُم مَّرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ، وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لحاجة له، وقد وضع سلاحه، وجلس في ظِلِّ شجرة، فبصر به (غَوْرَثُ بن الحارث)، وكان يبحث عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم ليقتله، فقال غورث: (قتلني الله إن لم أقتله)، ولم يشعر به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا وهو قائم على رأسه وقد سلَّ سيفه مِن غِمْدِه، فقال: (يا محمد، مَن يعصمك مني الآن؟!) فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: »الله« ثم قال: »اللَّهُمَّ، اكفني غورث بن الحارث بما شئت «. ثم أهوى بالسيف إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليضربه، فأكَبَّ لوجهه من وجع أخذه بين كتفيه حتى لم يتحرك من شدته، ثم سقط سيفُه من يده، فأخذه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم قال: »يا غورث، مَن يمنعك مني الآن؟« قال: (لا أحد). قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: »تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله وأعطيك سيفك؟«. قال: (لا، ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبداً، ولا أُعِين عليك عدوّاً). فأعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سيفه، فقال غورث: (واللهِ، لأنت خير مني). فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: »أجل، أنا أحقُّ بذلك منك «. ورجع غورث إلى أصحابه، فقالوا: ويلك، ما منعك منه؟ قال: لقد أهويت إليه بالسيف لأضربه، فواللهِ، ما أدري مَن زَلَّخَني بين كَتِفَيَّ؛ فخررت لوجهي؛ وأخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه بما كان، وقرأ عليهم هذه الآية: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُم إِن كَانَ بِكُم أَذࣰى مِّن مَّطَرٍ اَو كُنتُم مَّرضَىٰۤ أَن تَضَعُوۤا أَسلِحَتَكُم، وَخُذُوا حِذرَكُم﴾.
هذه الرواية ولو تكلم فيها المحَدِّثون، فإنها تفيد فوائد ما أحوج المسلمين إليها في هذا الزمان وقد استقوى علينا أعداء الله وتكالب علينا القريب والبعيد والشقيق والصديق:
1: لا إكراه في الدين، إنما واجبنا تبليغ الحق والدعوة إليه، والأمر بعد ذلك للمدعوين، من شاء فليومن ومن شاء فليكفر.
2: اليقين في الله والثقة في حكمته، ولو ابتلينا بأعداء متربصين أقو ياء، أو بخيانة الانهزاميين المتخاذلين الجبناء، أو بتكالب قوى الشر علينا من كل الجهات، أو تنصيب عملاء متخاذلين على ولاية أمرنا، أو تسليم السلطة علينا وفي أرضنا للماكرين صناع القرارات المعادية والمخططات المجحفة المجاهرين بعداوتهم للإسلام وكرههم للمسلمين واتباع سياسة القضاء عليهم.
3: أن المجاهد في سبيل الله لا يستسلم أبداً ولا يقر بهزيمة ولو ظهرت للعيان في أبشع صورها، ولا يضع السلاح ولا يستجيب لشروط العدو، وما الأمر في النهاية إلا جهاد، فنصر أو استشهاد، والمجاهد المخلص لا يرضى إلا بواحد منهما ولا يقبل أو يخضع لغيرهما.
4: أن المسلم المؤمن دائم الحذر والحيطة ولو ضمن الضامنون التزام العدو بالمعاهدات والتوافقات، فالعدو في زماننا ماكر غدار، ومَن شيمتُه المكرُ والغدرُ لا يفارقه مكرٌ ولا غدرٌ أبداً، والله ولي المؤمنين وناصر المستضعفين.




