رأي

الحرب مستمرة

غزاويات طوفان الأقصى

ذ. نورالدين الهادي

الأحد 7 دجنبر 2025

بعد إقرار خطة ترامب بشأن الحرب على غزة، وإضفاء شرعية دولية مشبوهة عليها من مجلس الأمن بتواطؤ عربي، والبدأ في تطبيق مقتضيات بنودها العشرين، خاصة تلك المتعلقة بإطلاق من تبقى من الأسرى الصهاينة الأحياء منهم والأموات، وتوقيف عمليات القتل الجماعي اليومي، والخروج من المناطق المأهولة، والسماح بما “تأذن به” سلطات الاحتلال من مساعدات دولية لإطعام المجوعين، يتم كل ذلك وسط تقسيم غزة عبر خط أصفر، يجزئ غزة إلى غزة شرقية جديدة تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، خالية من السكان الفلسطينيين، سيعاد إعمارها سريعا، وغزة غربية “قديمة” يحشر فيها أكثر من مليوني فلسطيني، يعيشون وسط الدمار تحت قصف متقطع وقتل صهيوني يومي انتقائي، لم يتوقف رغم التزام فصائل المقاومة بوقف إطلاق النار مع بداية تطبيق خطة وقف حرب الإبادة، ويجري التلويح حاليا لبناء جدار فاصل بين طرفي غزة، يحرم السكان من جميع أراضيهم الزراعية التي تم تجريفها أصلا، فقد أهلك بنو صهيون الحرث والنسل في كل هذه المناطق، كل هذا الوضع يجري وفق تنسيق أمريكي إسرائيلي لتحقيق أهداف الحرب التي لم تحقق بالصواريخ والقنابل المدمرة، وخلق وضع تستحيل فيه الحياة في غزة، لإضعاف الحاضنة الشعبية للمقاومة تمهيدا للقضاء عليها، وإرغام الفلسطينيين على النزوح إلى دول الجوار، دون أن ننسى ما يجري في الضفة الغربية من أوضاع متردّية، حيث تقوم الدولة العبرية بعمليات تهجيرٍ غير معلن، عبر اعتداءات المستوطنين و الجيش الصهيوني على السكان، من هدمٍ و حرقٍ و تجريفٍ للمباني و المخيّمات و طرد سكانها، تمهيدًا لإنشاء المزيد من المستوطنات، في إطار إبادةٍ جماعيةٍ ممنهجة، وفق مخطّطٍ لضمّ الضفة بشكلٍ نهائي وفق قرار الكنيست الإسرائيلي، والنتيجة تصفية القضية الفلسطينية وإقبارها.

لم تنته الحرب، لكنها انتقلت من حرب شاملة دمرت كل غزة، إلى حرب صامتة لا تثير ضجيجا، لكنها تخدم مصالح واستراتيجية العدو الصهيوني في القضاء على كل ما هو فلسطيني في الأرض الفلسطينية، المنطقة ستبقى متوترة ملتهبة وقابلة للانفجار في أي لحظة، والصراع مع الصهاينة مستمر، بين شعبٍ فلسطينيٍّ متسلِّحٍ بإيمانه الراسخ، و بمشروعية نضاله من أجل تحرير أرضه، مع ما يتطلبه ذلك من تضحياتٍ جسام، و بين كيانٍ ساديٍّ هجينٍ يستقوي بقوى الاستكبار العالمي، لبسط هيمنته على فلسطين و دول المنطقة بالحديد و النار، عبر حروبٍ متتاليةٍ و توسّعٍ لا ينتهي.

لكن رغم استمرار حربٍ الإبادة الجماعية مدة سنتين اثنتين على قطاع غزة، واستعمال القوات الإسرائيلية لكل الأسلحة الأمريكية الفتاكة، و ما خلّفته من دمارٍ شامل، واستشهادِ وجرحِ و فقدانِ ربع مليون فلسطيني في القطاع، إضافةً إلى تداعيات الحرب الاقتصادية و الاجتماعية و النفسية، إلّا أن كلَّ محاولاته للاستفراد بأرض فلسطين انكسرت على صخرة صمود و صبر الشعب الفلسطيني، إنّه صراعُ عزائم، الغلبة فيه لمن يؤمن بعدالة قضيته مهما طال عمر الظلم والطغيان والاحتلال.

إنّ المتتبّع للمأساة الفلسطينية يُفاجأ بالمفارقات الغريبة التي تشهدها القضية الفلسطينية؛ ففي الوقت الذي تعترف فيه المزيد من الدول بفلسطين و بحقّ الشعب الفلسطيني في إنشاء دولته المستقلّة، إضافة إلى استنكار أغلب الدول و الشعوب لممارسات الكيان الغاصب، مما أدخله مرحلة عزلةٍ دوليةٍ متزايدة، نجد أنّ معظم الدول “العربية” قد سارت مسارًا مخجِلًا، و لم تستثمر اللحظة التاريخية، بل تأمركت و تصهينت و طبّعت و استسلمت، و غرّدت خارج سرب شعوبها، و جعلت نفسها خادمةً مطيعةً للإمبريالية العالمية المتوحّشة، مذللة السبل أمام المزيد من الخنوع و الخضوع للاستكبار العالمي، ليجد المواطن الفلسطيني نفسه وحيدا أعزلا دون سند.

لكنّ الأطراف الفلسطينية نفسها كان لها حظ وفير في المأزق السياسي الذي صارت تعيشه القضية، حيث تاه جزءٌ منها و أضاع البوصلة، و جرى تحوّل جذريّ عميق مسَّ جوهر القضية من الأساس، إذ انقلب الهدف من تحرير الأرض إلى إدارة شعبٍ تحت الاحتلال، كما تمّ استبدال إنشاء دولة فلسطينية بـ”عملية سلام” عبثية هلامية لا أفق زمنيًّا لها، تُعطي في المفاوضات أكثر مما تجني، و هي في النهاية ليست إلا سلامًا أمنيًّا لصالح المحتل.

إزاء هذا الوضع، الذي لا يزداد إلا تعقيدًا يومًا بعد يوم، ليس أمام الفلسطينيين إلا التعويل على أنفسهم، و إنهاء حالة الانقسام، و التوحّد على المصالح العليا لفلسطين الشعب، و فلسطين الدولة، و فلسطين المصير، و البعد عن كل نرجسية فصائلية، و عن كل خلاف يشتت الجهود و يدخل في منازعاتٍ لا يستفيد منها إلا الأعداء، وذلك من أجل الاتفاق على برنامجٍ وطنيٍّ فلسطينيٍّ موحّد، ينطلق من مرجعيّات الشعب الفلسطيني ومصالحه الحيوية، و يحدّد شكل الخيار النضالي الأنسب في خضمّ التغيّرات و التعقيدات الجديدة التي تعرفها القضية الفلسطينية.

إنّ وحدة الصف الفلسطيني، و النضال الموحّد المتّفق عليه فلسطينيًّا، هو الكفيل وحده بتحرير الأرض و دحر المحتل مهما بلغت قوته و سطوته و جبروته، و صدّ مكر الليل و النهار الذي يسلكه الكيان و داعموه، وما ضاع حقّ وراءه طالب.

لكن ذلك لا يعفي شعوبنا العربية و الإسلامية من تقديم كل أشكال الدعم المادي و المعنوي للشعب الفلسطيني، بالمسيرات و التجمعات و المقالات الصحفية و التعريف بالقضية لدى شعوب العالم في جميع القارات، و فضح سلوك الكيان الغاصب و حربه المستمرة على الشعب الفلسطيني في كل أرض فلسطين. كذلك لا بد من تظافر الجهود لإعادة إعمار غزة، و عودة الحياة الطبيعية لسكانها، لأن نصرة غزة ليست بالاهتمام بها فقط و الدعاء لأهلها، و إن كان ذلك مطلوبًا، لكن النصرة الحقيقية تكون بالبذل و العطاء و المساهمة الفاعلة والفعالة في هذه المعركة المقدسة، والحرب مازالت مستمرة وستبقى كذلك، وهدف الصهاينة هو إنهاء الوجود الفلسطيني على أرض فلسطين إن استطاعوا، لذلك يعتبرالصهاينة صراعهم صراعا وجوديا، ومن ثم كان على الأمة فهم جوهر الصراع والانخراط الواعي والفاعل من أجل أن تبقى فلسطين أرضا عربية إسلامية، وتقديم كل أشكال الدعم دفعا للعدوان وإنهاء الاحتلال، انطلاقا من إيماننا الراسخ أن الاحتلال عابر، وهو إلى زوال طال الزمن أو قصر مصداقا للوعد الإلهي (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) الإسراء/7.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. حياك الله السي عبدالهادي.
    شكرا على التحليل العميق و الموضوعي لهذه القضية العادلة الفارقة بين الخير و الشر بين العدول الظلالة. فهذه مرحلة حساسة مفصلية والله لن يضيع احر الصابرين المجاهدين الثابتين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى