
روى أحمد وابن حبان وصححه الألباني في صحيح الترغيب عن أبي أمامة الباهلي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: *(لَتُنقَضَنَّ عُرى الإسلامِ عُروةً عُروةً ، فكلما انتقضَت عُروةٌ تشبَّثَ الناسُ بالتي تليها ، فأَوَّلُهنَّ نقضًا الحكمُ ، وآخرهنَّ الصلاةُ)*
ففي هذا الحديث النبوي إخبار بغيب وقع بعضه، فكان نقض عروة الحكم بالانحراف الذي حصل بعد مرحلة الخلافة الراشدة، واستمر إلى أن بلغ مداه بتعطيل أحكام الشريعة الإسلامية منذ وطئت أقدام المستعمر الفرنسي والبريطاني بلاد المسلمين في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حيث تم إسقاط الخلافة العثمانية واستبدال أحكام الشريعة الإسلامية بقوانين وضعية ورثتها الإدارة المحلية بعد الاستقلال..!
كان لسقوط الخلافة العثمانية دوي هائل هز الوعي الجمعي للأمة الإسلامية فتشكلت أول نواة للحركة الإسلامية في مصر أكبر بلد عربي، ثم ما لبثت أن اتسعت دائرتها لتشمل معظم الأقطار العربية والإسلامية رافعة شعار *”إعادة الخلافة والمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية”*..
واكب ظهور الحركة الإسلامية وعي متجدد لدى شرائح واسعة من المسلمين اصطلح على تسميته ب *”الصحوة الإسلامية”* انعكس على مجالات الثقافة والإعلام والسياسة والاقتصاد والعمل المدني بجميع روافده، فأنتج العقل المسلم المعاصر اجتهادات وأجوبة على تحديات التنمية والعدالة الاجتماعية والحريات العامة.
جعلت الحركة الإسلامية من أولوياتها إعادة صياغة وبناء عروة الحكم مما جعلها في تماس واحتكاك بأنظمة الحكم الإستبدادية في المنطقة، فنالت النصيب الأكبر من القمع الوحشي والاعتقال التعسفي والنفي والمطاردة، فأنتجت أدوات للدفاع عن وجودها لم تكن دائماً موضع ترحيب من قادتها وعلمائها الذين أنكروا جنوح بعض الشباب المتحمس لأعمال العنف ونقد ظاهرة التكفير باسم الدين..!
استمرت الحركة الإسلامية في البحث عن منافد لإصلاح عروة الحكم، فسلكت سبلا سلمية وأخرى جهادية بحسب الظروف والتحديات.
لكن ظاهرة حركة الإسلام الجديدة استرعت انتباه الغرب منذ نشأتها باعتبارها حركة أصولية تهدد مصالح الغرب في المنطقة، فنشأت مراكز علمية لرصد وتحليل الظاهرة الإسلامية غير مراكز الاستشراق التي مهدت للاستعمار أواخر القرن التاسع عشر، ستعرف هذه المراكز اهتماما أكبر وسترصد لها ميزانيات ضخمة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي نسبت للأصولية الإسلامية!
بعد عشر سنوات من أحداث الحادي عشر من سبتمبر بنيويورك ومنهاتن ستعرف المنطقة العربية زلزالا هز أركان الوطن العربي فيما اصطلح عليه بالربيع العربي الذي كان من آثاره سقوط أنظمة عربية عريقة في الاستبداد والفساد لم يخطر ببال أحد إمكانية سقوطها، سيأتي على إثرها صعود ملفت للتيار الإسلامي في معظم الأقطار العربية التي رضخت لرغبة جماهيرية في إجراء انتخابات نزيهة..!
لكن ما لبث أن وقع انقلاب الدولة العميقة مدعومة من الغرب على ما أفرزته صناديق الاقتراع ليعود الاستبداد مدعوما بخطة مدروسة للنيل من الإسلام نفسه.
فالعقل المدبر لهذه الخطة أدرك أن القضاء على الحركة الإسلامية رهين بتحريف الإسلام وضرب قواعده وأصوله، فنشأت مراكز للطعن في السنة النبوية وأخرى لتحريف معاني القرآن، لعل أبرزها مركز تكوين، ومنصة مجتمع، ومنصة أربعون، وقناة الحرة، فضلا عن عدد من دعاة الفتنة المجددين لمدرسة الهالك شحرور والذين ينشطون في مواقع التواصل الاجتماعي مستهدفين شباب لا يتمتع بتكوين علمي راسخ.
في الشهور الأخيرة لوحظ نشاط محموم لتقديم نماذج للصلاة، عمود الإسلام وركنه الأعظم، مخالف لما توارثه المسلمون جيلا بعد جيل وما هو مبثوث في كتب السنة والفقه، الغرض منه تشكيك *”جيل الديجيتال”* من أركان الإسلام لينشأ بعيدا عن محاضن الصحوة الإسلامية التي خفت بريقها في العقدين الأخيرين.
إذا كانت دول عربية تساهم في هذا التشويه للدين الإسلامي فإنها تضرب أحد عناصر وجودها وشرعيتها؛ فإذا نشأ جيل معادي للدين فلن يعترف بالدولة التي تقوم في أحد أركانها على الشرعية الدينية، وسيصعب إقناعه بذلك وبالتالي ستصتدم به الدولة وأجهزتها؛ ولا أحد يستطيع أن يستشرف مستقبل ربيع غاضب قد يأتي على الأخضر و اليابس..
مطلوب اليوم من الفاعل الإسلامي أن يجدد التعاقد مع الدولة الحديثة التي تعتبر واقعا لا يرتفع على النحو التالي:
*أن اجتمع قادة الحركة الإسلامية في مؤتمر دولي تكون من توصياته وضع خارطة طريق لمفاوضات مع النظام العربي على أساس التنازل عن العمل السياسي والصراع حول السلطة مقابل فتح المجال للعمل الدعوي والنشاط الثقافي والاجتماعي في وجه الجماعات الإسلامية دون تضييق*
فربما يكون هذا حل وسط يقتنع به الطرفان للتعايش بدل الصراع الذي يستنزفهما لصالح حركة صهيو/صليبية عينها على المنطقة بثرواتها ورصيدها الثقافي والحضاري تقدم اليوم ما يسمى ب *الدين الإبراهيمي”* بديلا عن الإسلام..




