
في غزة، حيث يُصنع التاريخ بالدم والصبر، وتُمتحن المعادن تحت لهيب القصف والحصار، تسقط المنطقة الرمادية، وتتلاشى أنصاف المواقف. هنا، إما أن تلتحم بالأرض وأهلها، وإما أن تكون نبتةً شيطانية يلفظها التراب الطاهر. وما نهاية المدعو “ياسر أبو شباب” إلا فصلٌ حتمي من فصول الحقيقة الأزلية التي تحكم هذا القطاع الصامد: غزة لا تقبل القسمة، ولا تتعايش مع الأجسام الغريبة.
لم تكن نهاية هذا العميل مجرد تصفية لشخص ضلّ الطريق، بل كانت إعلان وفاة لمشروع استراتيجي خبيث راهن عليه الاحتلال طويلاً. لقد توهم العدو أنه -عبر استنساخ “روابط القرى” وصناعة نموذج محلي من المرتزقة- قادرٌ على زرع خنجر في خاصرة النسيج الوطني، وخلق “سلطة موازية” تحكم بالوكالة لتمرير أجندات التهجير.
لكن سرعة السقوط لهذا “الرأس المدبر” جاءت لتصفع وجه المحتل بثلاث حقائق دامغة:
* مناعة الجسد الغزّي: حيث فشل الاحتلال في إيجاد حاضنة اجتماعية للعملاء، فظلوا منبوذين كفيروس حاربه جهاز المناعة الوطني فور ظهوره.
* أصالة العشائر: التي أثبتت أنها الحصن الحصين للمقاومة، رافضةً استبدال “الشرعية الثورية” بفتات المساعدات المغموسة بالذل.
* يقظة العين الساهرة: فالمقاومة، ورغم استنزافها في أشرس المعارك، أثبتت أنها تملك عيناً لا تنام لحماية الجبهة الداخلية، ويداً طولى قادرة على بتر كل من يعبث بأمن الناس.
أما في مخيمات النزوح فكان وقع الخبر له صدى مختلف، لم تكن صيحات التكبير وتوزيع الحلوى مجرد شماتة بموت شخص، بل كانت “استفتاءً شعبياً” عفوياً. تلك الفرحة التي انبعثت من قلوب المكلومين أرسلت رسالة صارخة: “نحن نتحمل الجوع والقصف والفقد، لكننا لا نتحمل الخيانة”.
هذا الاحتفال التلقائي هو الدليل الأنصع على أن هذا الشعب يدرك بفطرته أن الخيانة ليست وجهة نظر، بل جريمة لا تغتفر، وطعنة في ظهر كل شهيد.
لقد انتهى “أبو شباب” كما ينتهي كل من يبيع وطنه في سوق النخاسة: وحيداً، منبوذاً.
أراد له الاحتلال أن يكون “نموذجاً” لغيره، فصار بالفعل نموذجاً، ولكن نموذجاً للفشل، وللعار الذي يلاحق صاحبه حياً وميتاً.
“أبو شباب” كان مجرد أداة استخدمها المحتل ثم ألقى بها في مزبلة التاريخ. هذه هي القاعدة التاريخية الراسخة: الاحتلال يحتقر أدواته ولا يحترمها، بينما تبقى المقاومة هي الدرع، وهي السيف، وهي العنوان الوحيد للشرف. فليتعظ كل من تسول له نفسه سلوك طريق الخيانة؛ فالعار سيلطخ وجهك ووجه عشيرتك أبد الدهر، ولن تجد في هذا الشعب إلا ناراً تحرق كل من يقترب من ثوابته.
ختاما، فإن ما جرى هو “ضربة معلم”، وإنجاز استراتيجي يُحسب للمقاومة وللوعي الشعبي، وهو رسالة لكل متربص:
غزة جسد واحد، ولحمة واحدة. قد تتألم، وقد تنزف، لكنها أبداً لا تخون، ولا تقبل في جوفها خائناً.
وهكذا يسدل الستار على من ارتضى لنفسه أن يكون ظلاً للمحتل، ليبقى الدرس ماثلاً أمام الجميع: الأوطان لا تُباع، والدم الحر لا يتحول إلى ماء. ستنهض غزة من تحت الرماد أنقى وأقوى، بعد أن لفظت خبثها، لتقول للعالم أجمع: هنا يموت الخونة، وهنا يخلد الشهداء.




