عبر التقلبات السياسية تكون الحياة المذهبية مرتبطة بالاختيارات العقدية والفقهية والتصوفية، وهذه هي الحالة في المغرب قديماوحديثا، فلما أتم المولى إدريس الثاني عمران المذهب المالكي فأصبح مطابقا لطبيعة المغاربة ” التي تمج الفلسفة و الرأي والنظريات، وتميل إلى العلوم التطبيقية و الموضوعية، والبساطة والوضوح، كما عارض فقهاء المالكيةباسم الإيمان و الشرع مذهب المعتزلة المطبوع بالفلسفة، وبالتالي بالصعوبة والتشعب في نظر أفكار تدربت على تفسير القرآن والحديث ” ولهذا أبان المغاربة عن إبداعات واجتهادات وفق الشريعة ومتساوقة مع التراب و الثقافة و الوطن و التاريخ ، حيث عمل فقهاء المغرب على حل النوازل الشخصية التي تطرأ على الحياة الاجتماعية مما جعل الفقه المالكي ” فقها موضوعيا بلغ درجة جعلته يقف في صف أكثر القوانين الموضوعية العصرية تطورا ولا يتأخر عنها في شيء بثاتا ” فأصبح جامع القرويين له دور في ترسيخ المذهب الذي وحد الغرب الإسلامي بالريادة و الرعاية و توحيد العقيدة الأشعرية بالفقه المالكي، كما برز أعلام جاهدوا في هذا الاتجاه مع القرناء والحكام والحساد، فتوافق المفتي والقاضي، فالأول يرشد إلى القواعد الفقهية، والثاني أي القاضي بسلطته ينزل الفتاوى تحقيقا لمصلحة الناس في حركيتهم وقضاياهم المستجدة، وهو ما يسمى عندهم بقضايا العمل بنوعيه المطلق غير المقيد بعصر معين أو مكان مخصوص، والعمل الخاص وهو المرتبط بما يجري في المكان كالعمل الفاسي والعمل السوسي والعمل القيرواني، أي أحكام تراعي العرف الذي استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول، وهو ما يسمى بفقه الماجريات.
ومما زاد المدرسة المالكية المغربية تفردا هو مخالفة العلماء المغاربة في ترجيحاتهم صاحب المذهب نفسه أي الإمام مالك رحمة الله عليه ، والذي أعطى للفقيه المالكي المغربي شخصية مستقلة بطابعها العلمي المتميز ساهمت في وحدة بلاد الغرب المذهبية والسياسية.ولم يتوقف إشعاع المدرسة المالكية المغربية على المغرب بل امتدت إلى باقي الأمصار الإسلامية ، يقول عبد الهادي التازي: “سنجد أن سمعة فاس في التآليف الفقهية رسخت باختصاص أئمة الفقه المالكي من علماء القرويين بتحقيق المذهب وتصحيح بقوله والرجوع إلى أمهات القرويين بل ومجاذبة الأنظار مع كبار الفقهاء المذهب المالكي بمصر من أهل القرن الحادي عشر وتقديم مباحثهم حتى أصبح المذهب المالكي عالة عليهم لا يستقيم بحث فقهي بالمغرب و المشرق إلا عن طريق تحارير علماء القرويين” كما ساهمت الهيئة العلمائية في نشر المذهب المالكي وترسيخه”خاصة في مدينة الإسكندرية بالرغم من أن المذهب الرسمي للدولة في تلك الجهات كان المذهب الحنفي ” . ولم يتوقف هذا الفتح العلمي على مصر الأزهر فحسب بل شمل تونس الزيتونة” وتبقى قصة أهل تلمسان مع الدولة العثمانية فارقة وذلك عندما أرادت فرض المذهب الحنفي قسرا وهو ما شكل مضايقة لعلماء تلمسان الذين كانوا مطالبين ببذل مجهود جبار للحفاظ على مقومات الشخصية المالكية المغاربية في أبعادها الفقهية بمجابهة النفوذ المذهبي الحنفي القسري المفروض من لدن العثمانيين، فكان الحل هو التوجه إلى فاس لتقوية الشخصية المالكية على يد أهل فاس وعلى يد علمائها الذين استقبلوا أهل تلمسان بالضيافة و الترحاب بتنظيم مأذبات علمية ومناظرات فقهية تعليمية، يقول العلامة علي بن ميمون بعد أن رحل في القرن العاشر إلى بجاية و تونس و الشام و الحجاز “مارأيت مثل فاس ومثل علمائها في حفظ ظاهر الشرع العزيز بالقول و الفعل وهذا الحفظ لنصوص إمامهم مالك وحفظ سائر العلوم الظاهرة في الفقه و الحديث والتفسير”. وفي سياق ربط الجهاد بالاجتهاد عمل الفقهاء بتلقين المبادئ الفقهية من المدرسة المغربية المالكية الأصيلة للأجيال الصاعدة من الطلبة متحدين الاستعمار وثقافته و مواجهة لكل التيارات المغرضة، فهذا الفقيه سيدي محمد بن عبد الكريم الخطابي في المنطقة الريفية جمع بين المقاومة العسكرية للاستعمار الإسباني و المقاومة العلمية والثقافية عبر تدريس و ممارسة المهام القضائية وفق المذهب المالكي بخصوصيته المغربية . وهذا الفقيه سيدي العربي وادفل الحسني الإدريسي في المنطقة الشرقية للمملكة الذي تحدى المستعمر الفرنسي من خلال خطبة الجمعة ، وثانيا من خلال تلقين وتدريس الجيل الصاعد العلوم الفقهية و العقائدية وفق الخصوصية المغربية ، وعلى هذا المنهج سار علماء سوس و الصحراء وجبال الأطلس و الريف، الشيء الذي يؤكد أهمية الدرس المالكي في تقوية الشخصية المغربية لمواجهة كل الآفات و المصائب.
تحياتي




