رأي

الحقد حين يتحوّل إلى نمط حياة

قراءة نفسية شرعية

د.مصطفى أبوسعد:استشاري نفسي وتربوي ومرشد علاقات أسرية

أشفق على من يجعل الحقد مهنته اليومية؛ يستنزف طاقته في ازدراء فئات أو شعوب أو دول، ينتقد بلا عدل، ويقلّل بلا علم، ويُسرف في الغضب، ويستسهل الافتراء، ويخاصم الحق باسم الانتصار للنفس.

هذا السلوك – في ميزان العلم – ليس دلالة وعي ولا قوة موقف، بل تفريغ نفسي مضطرب، وصورة من التوتر المزمن، وآلية دفاعية تعكس شعورًا داخليًا بالعجز أو النقص أو الغيرة المقنّعة.

في علم النفس السلوكي، العداء المستمر ليس رأيًا… بل نمط تنظيم انفعالي مختلّ، يرفع هرمونات التوتر، ويضعف المناعة النفسية، ويرهق الجسد قبل أن يمسّ الخصم. فالإنسان لا ينهك من يعاديه بقدر ما ينهك نفسه.

وفي ميزان الشريعة، الحقد إفلاس قلبي قبل أن يكون خطأ أخلاقيًا؛ لأنه اعتراض مستتر على أقدار الله، وتجرؤ على خلقه، وسقوط في ظلم اللسان والقلب، وقد قال تعالى:

«ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا»

فالعداوة لا تبرّر الظلم، ولا تسوّغ الكذب، ولا تُبيح إسقاط القيم.

والأشدّ مرارة أن صاحب هذا المسلك لا يدرك أن حقده لا يُضعف من يستهدفه، بل كثيرًا ما يكون وقودًا لنجاحه؛ إذ يتحوّل الهجوم إلى دعاية، والحسد إلى اعتراف غير مباشر بالتفوّق، والانشغال بالآخر إلى تفريغ الطريق له ليعمل ويُنجز.

هكذا يخسر الحاقد مرتين:

  • يخسر سلامه الداخلي،

  • ويخسر كرامته القيمية،

بينما يمضي الآخر في البناء، غير مثقل بما استُنزف فيه قلبٌ لم يعرف السكينة.

الخلاصة: العاقل لا يُعرّف نفسه بعداواته، ولا يبني هويته على كراهية غيره، بل على عمله، وقيمه، واتزانه. فالنجاة ليست في إسقاط الآخرين، بل في تهذيب القلب… لأن القلب إذا صلح، صلح الفكر، واستقام القول، وسكن الجسد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى