رأي

حق الأسبقية كألية لحماية الدائنين في إطار قانون 73.17

الأستاذة: زينب بناني طالبة باحثة بسلك الدكتوراه بجامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القاونية والناجتماعية والاقتصادية بطنجة

مقدمة:

لا يخفى على أحد أن المقاولة أصبحت النموذج الأمثل لممارسة الأنشطة التجارية وأداة لإقلاع الاقتصادي، لكن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا إذا توفر لها المناخ الملائم الذي من شأنه حماية المقاولة من المخاطر التي قد تعصف بها في ظل التنافسية العالمية التي لم تعد تعترف بالحدود بين الدول، ولعلى أهم ما تحتاج إليه المقاولة للقيام بأنشطتها التجارية هو السيولة النقدية التي قد لا تتوفر دائما، ذلك أنه مهما بلغ حجم تعاملات المقاولة فإنها لن تستطيع القيام بكل أنشطتها بما هو متوفر لديها من أموال.
لذلك فلما كان من الصعوبة بمكان أن تعتمد المقاولات على تمويليها الذاتي خاصة أمام ازدياد عملياتها التجارية، فإنها تضطر في الكثير من الأحيان إلى اللجوء إلى قنوات تمويلية ويبقى أهم هذه القنوات هو الائتمان، هذا الأخير الذي يتجسد في الثقة التي يمنحها الدائن لمدينه وشعوره بالاطمئنان فيما يخص قدرة هذا الأخير على تنفيد التزامه في الميعاد المحدد قانونا أو اتفاقا، بمعنى أنه بواسطة هذا الائتمان يقوم الدائن بمنح ثقته للمدين ويقرضه ما يحتاجه من أموال أو يورد إليه ما يحتاجه من بضائع ومنتجات وذلك في مقابل أن يحترم هذا الأخير التعهد الذي قطعه على نفسه لحظة إبرام الاتفاق، على أن يقوم بأداء ما هو مترتب عليه في تاريخ الاستحقاق، ذلك أن الدائن لا يضع ثقته في المدين ويمنح له الائتمان إلا لكونه وثق فيه بأنه سيفي بالالتزام الذي على عاتقه في الميعاد المتفق عليه، وذلك حتى يقوم هو الآخر بأنشطته التجارية إن كان تاجرا أو بالأداء لمدينهن لأنه غالبا ما تجتمع في التاجر صفة الدائن و المدين فيكون دائنا لفريق من التجار ومدينا في نفس الوقت لفريق آخر.
ومن هنا يتجلى الدور الذي يلعبه الائتمان في الحياة التجارية الأمر الذي يتطلب نظرا لأهمية التي يكتسبها حمايته من مخاطر، فإذا كانت هذه الحماية تتحقق في الحالات التي يقوم فيها المدين بإبراء ذمته من الديون المترتبة عليه في الوقت المتفق عليه، فإن هناك بعض الحالات الأخرى التي يعجز فيها هذا المدين بالوفاء بما التزم به نظرا لتعرضه لأزمات ومشاكل الأمر الذي يلحق ضررا بالمصالح الفردية لهؤلاء الدائنين، وبالتالي عجزهم عن الوفاء بالتزامات المترتبة عليهم لفائدة دائنيهم الشيء الذي يؤدي إلى إحداث سلسلة من التوقفات عن الدفع وبالتالي الإضرار بالاقتصاد الوطني.
وهكذا فبعدما نسخ المشرع الكتاب الخامس من مدونة التجارة بموجب قانون 73.17 تغيرت المفاهيم حيث أصبحت فلسفة هذا الأخير غير مقتصرة على حماية مصلحة المقاولة دون الدائنين و إنما أضحت رغبته إقامة نوع من التوازن بين مصلحة المقاولة و مصلحة الدائنين، حيث تم إحداث مسطرة المصالحة التي حلت محل مسطرة التسوية الودية، وتم احداث مسطرة الإنقاذ وكذا مساطر العابرة للحدود كما وسع من اختصاصات بعض المؤسسات وتوفير حماية أكبر للأجراء من خلال استثناء عقود العمل من خيار المواصلة أو الفسخ الممنوح للسنديك، كما نجد هذا القانون أيضا قد اهتم بالدور التمويلي للدائنين إذ بالإضافة إلى أن الكتاب المنسوخ الذي كان يعترف بما يسمى بالأسبقية حسب المادة 575 و 620 إلا أنه وبعد إصلاح مساطر صعوبات المقاولة بموجب القانون 73.17 فإنه كرس ذات الحق خلال مسطرة الإنقاذ حسب المادة 565 و أيضا خلال مسطرة المصالحة حسب المادة 558 تحت مسمى جديد ألا وهو حق الأفضلية.
وهكذا فحق الأفضلية آلية من الاليات التي نص عليها المشرع والتي تعتبر ضمانة حمائية للدائنين كونهم أقرضوا المقاولة وهي في حالة حارجة.
وبذلك فإن الإشكال المطروح هو أين تتجلى الحماية التي توفرها آلية حق الأسبقية للدائنين؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة التي من بينها:
ماهي الآثار القانونية المترتبة عن حق الاسبقية؟
تم ماهي أهم التطبيقات المادة 590 من م ت؟
هذا ما سنحاول الإجابة عليه من خلال محورين:
المحور الأول: الآثار المترتبة عن امتياز المادة 590 من م. ت
المحور الثاني: بعض نماذج وتطبيقات المادة 590 من قانون 73.17

المحور الأول: الآثار المترتبة عن امتياز المادة 590 من م. ت
إن اعتراف المشرع المغربي بحق الأسبقية للدائنين المتعاملين مع المقاولة خلال هذه الفترة الحرجة تترتب عنه مجموعة من النتائج والآثار سواء بالنسبة للدائنين المستفيدين من هذا الحق في مواجهة الباقية (أولا) أو فيما بينهم (ثانيا).
وإذا كان هذا الحق يخول الدائنين مجموعة من الامتيازات والضمانات فإن هذه القاعدة المنصوص عليها في المادة 590 من مدونة التجارة لها استثناءات تحد من فعالية استفادة الدائنين من هذا الحق (ثالثا).
أولا: آثار حق الأسبقية بالنسبة لدائنين المستفيدين منه في مواجهة باقي الدائنين
بالرجوع إلى المادة 590 من قانون 73.17 يتضح أن حق الأسبقية يخول لدائنين الناشئة ديونهم بعد حكم فتح المسطرة امتيازا هاما مقارنة مع باقي الدائنين إذ تؤدى ديونهم في تواريخ استحقاقها سواء كانت المسطرة قد وصلت التصفية القضائية أو مازالت في مرحلة التسوية القضائية وهذا ما أكدته محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء في أحد قراراتها حيث جاء فيه:
” إن من أهم الآثار التي تترتب على حق الأسبقية المنصوص عليها في المادة 575 م ت أن الديون المشمولة بهذا الحق تؤدى في تواريخ استحقاقها مهما كانت المرحلة التي قطعتها التسوية القضائية
هذا فضلا على أن الدائنين المستفيدين من مقتضيات المادة 590 من قانون 73.17 لا يخضعون لقاعدة وقف المتابعات الفردية ولا لقاعدة سريان الفوائد المنصوص عليهما في المواد 690 و691 692 693 من قانون 73.17 وهذا بخلاف الدائنين الناشئة ديونهم قبل حكم فتح المسطرة الذين تنطبق عليهم القاعدتان المذكورتان بالإضافة إلى قاعدة منع التقيدات والتصريح بالديون إلى السنديك.
وإذا كانت القاعدة العامة تقتضي بوقف كل دعوى قضائية يقيمها أصحاب الديون نشأت قبل الحكم وهي قاعدة تسري على جميع الدائنين بصرف النظر عما إذا كانوا دائنين عاديين أو أصحاب امتيازات عامة أو خاصة أو أصحاب رهون رسمية أو حيازية أو أي ضمان مهما كان نوعه.
فإن الأمر يختلف عند الحديث عن الديون الناشئة بعد صدور الحكم بفتح المسطرة حيث جاء في قرار لمحكمة النقض في هذا الصدد أن الدين الناشئ بعد الحكم بفتح المسطرة لا يخضع لقاعدة وقف المتابعات الفردية.
ولعل من أهم آثار حق الأسبقية أيضا عدم خضوع الدائنين الناشئة ديونهم بعد حكم فتح المسطرة بالقيود و الإجراءات التي تفرض على الدائنين السابقين وحكم فتح المسطرة فهم لا يلزمون بالتصريح بديونهم ، وهذا ما جاء في قرار لمحكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء ” لكن حيث إنه إذا كان الطاعن يعتبر دينه امتيازا فإن من أهم الآثار التي نشأت عن حق الأسبقية المنصوص عليه في المادة 575 م ت أن الديون المشمولة بهذا الحق تؤدى في تواريخ استحقاقها مهما كانت المرحلة التي قطعتها التسوية القضائية وبالتالي فهي لا تخضع لمسطرة التصريح بالديون المنصوص عليه في المواد 686 إلى 690 م ت ( المواد 719 إلى 723 من قانون 73.17 )”.
هذا بالإضافة إلى أن الدائنين الناشئة ديونهم بعد حكم فتح المسطرة ومن أجل تحصين مركزهم القانوني بين المشرع المغربي قاعدة الأسبقية والتي مفادها أن الديون الناشئة بعد صدور حكم فتح المسطرة تؤدى بالأولوية عن كافة الديون الأخرى السابقة لحكم فتح المسطرة وحتى ولو كانت هذه الديون مقرونة بامتيازات أو بضمانات لاسيما في ذلك الرهن الرسمي الذي يحظى بمكانة هامة في المجال المدني.
ثانيا: آثار حق الأسبقية بالنسبة لدائنين المستفيدين منه فيما بينهم
عند قراءتنا للمادة 590 من مدونة التجارة يتبين أنها جاءت عامة دون أن تضع أي ترتيب خاص في الأداء الديون المشمولة بحق الأسبقية مما يفسح المجال أمام تنازع هؤلاء الدائنين فيما بينهم رغم الأهمية التي يحضون بها من حيث كونهم يساهمون في تمويل المقاولة التي تمر بصعوبات ويحاولون إنقاذها ومواصلة مسلسل الإنتاج بعد فتح مسطرة التسوية القضائيةومن هذا المنطلق ولتسوية النزاعات القائمة بين هؤلاء الدائنين المخاطبين بمقتضيات المادة 590 م ت فيما يخض استيفاء ديونهم بالأسبقية على بعضهم البعض فإنهم يحتكمون للأحكام التالية:
1- أجل استحقاق الدين يعد تاريخ استحقاق الدين معيارا حاسما للفصل بين الدائنين الناشئة ديونهم بعد الحكم القاضي بفتح مسطرة المعالجة، فالسنديك يتوجب عليه أن يؤدي هذه الديون بحسب تاريخ استحقاق كل دين منها على حدا، إذ لا يمكن لسنديك لأن يفرض على الدائنين المستفيدين من حق الأسبقية أي تأجيل للأداء اللهم إذا رغب في ذلك بإرادته ، وإذا حصل وإن كان لعدة ديون ناشئة بصفة قانونية بعد الحكم بفتح المسطرة نفس تاريخ الاستحقاق فإن هذه الديون تؤدى بالأسبقية على بعضها البعض بحسب رتبة كل دين وفقا للقواعد العامة المتعلقة بامتيازات الدائنين على منقولات وعقارات المدين أو طبقا لمقتضيات المادة 1245 ق ل ع .
2- الاحتكام لضمانات المقرون بها الدين الناشئ بعد حكم فتح مسطرة المعالجة
أحيانا قد تضيع حقوق بعض الدائنين المنصوص عليهم في المادة 590 م ت نتيجة المزاحمة التي قد تحصل بين هؤلاء الدائنين المستفيدين من حق الأولوية لذا قد يعمد بعضهم إلى أخد احتياطات إضافية لحق الأولوية المذكور، ويطلب منحهم رهونا رسمية أو رهونا عادية قبل إقدامهم على التعاون مع المقاولة الخاضعة لمسطرة المعالجة كما هو الشأن بالنسبة للبنوك التي تلجأ غالبا إلى طلب الحصول على مثل هذه الرهون مقابل استمرارها في منح الائتمان للمقاولة .
وهنا يبرز دور القاضي المنتدب الذي يمكنه أن يرخص لسنديك أو لرئيس المقاولة بتقديم رهن رسمي أو رهن أو بالتوصل إلى صلح أو تراض ففي حالة ما إذا تم تقديم أحد الرهنين لدائن من الدائنين الناشئة ديونهم بعد حكم فتح المسطرة فإن هذا الدائن يكون له حق الأولوية المقرر له بمقتضى المادة 590 من قانون 73.17.
وهكذا فعند بيع العقار أو المنقول المقرر عليه الرهن الرسمي أو الرهن لفائدة دائن نشأ دينه بعد فتح المسطرة فإن الدائن يستوفي دينه من نفس هذا البيع وذلك بالأسبقية على غيره من الدائنين المستفيدين من حق الأولوية (المنصوص عليه في المادة 40 مم قانون 73.17)
وقد أضافت هذه المادة مقتضى جديد حيث نصت في فقرتها الأخيرة على انه ” تؤدى الديون المشار إليها في الفقرة الأولى عند تزاحمها وفق النصوص التشريعية الجاري بها العمل.”
ثالثا: الاستثناءات الواردة على المادة 590 من قانون 73.17
بالعودة إلى المادة 590 من قانون 73.17 وبالضبط في فقرتها الثانية نجدها تنص على أنه “باستثناء الأفضلية المنصوص عليها في المادتين 558 565 أعلاه”
ويعتبر هذا المقتضى من المستجدات التي جاء بها القانون73.17 والذي أعطى الأولوية لبعض الديون في الأداء على الديون الناشئة بعد حكم فتح المسطرة.
فالأشخاص الذين وافقوا في إطار مسطرة المصالحة (التسوية الودية سابقا) التي أفرزت الاتفاق المنصوص عليها في المادة 556 على منح مساهمة جديدة بخزينة المقاولة من أجل ضمان متابعة نشاطها واستمراريتها من استيفاء مبلغ تلك المساهمة بحسب الأفضلية قبل كل الديون الأخرى بما فيها تلك المقررة في المادتين 565 و590 والفقرة 2 من المادة 652.
بالإضافة إلى هذا يستفيد الأشخاص الذين يقدمون في نفس الإطار سلعا أو خدمات جديدة من أجل متابعة نشاط المقاولة واستمراريتها من نفس الأفضلية بالنسبة لثمنها، فالديون الناشئة في إطار مسطرة المعالجة تؤدى بالأولوية عن الديون الامتيازية المنصوص عليها في المادة 590 من قانون 73.17.
كذلك الديون الناشئة بعد صدور حكم فتح مسطرة الإنقاذ والمتعلقة بحاجيات سير هذه المسطرة أو بنشاط المقاولة وذلك خلال فترة إعداد الحل تؤدى في تواريخ استحقاقها وفي حالة تعذر أدائها في تواريخ استحقاقها فإنها تؤدى بالأسبقية على كل الديون الأخرى وسواء كانت مقرونة أم لا بامتيازات أو ضمانات الأفضلية المنصوص عليها في المادة 558 .
إذن فالديون الناشئة بعد فتح مسطرة الإنقاذ تؤدى بالأولوية حتى على الديون المشار إليها في المادة 590 من قانون 73.17.
إضافة إلى هذه الاستثناءات فإنه هناك حدود تحد من آثار امتياز المادة 590 من قانون 73.17 إذ أن هناك فئة أخرى رغم أن دينها نشأ قبل حكم فتح المسطرة إلا أنه سبق على أصحاب حقوق الأسبقية وهذا ما يؤكد على هشاشة هذا الحق ويتعلق الأمر بالدائن المرتهن الذي له حق الحبس.
بحيث أن استثناء الرهن الحيازي و الحبس يبين صمود بعض المؤسسات المدنية في وجه نظام صعوبات المقاولة.
1- بالنسبة لصاحب الرهن الحيازي
عند قراءة مقتضيات المادة 690 من قانون 73.17 في فقرتها الثانية التي كانت تقابلها (المادة 626 سابقا) فإنه يتضح لنا أن للقاضي المنتدب إمكانية منح الإذن للسنديك بأداء الديون السابقة للحكم وذلك لفك الرهن أو لاسترجاع شيء محبوس قانونيا إذا كان يستلزمه متابعة نشاط المقاولة.
وبالتالي فالميزة أو الخاصية التي تعطي للرهن الحيازي طابع الغلبة أو التميز في مواجهة الدائنين الذين يتمتعون بحق الأسبقية لا تقرر إلا إذا كان فك المال موضوع الرهن الحيازي لا يمكن الحصول على دينه إذا كان المال موضوع الرهن ليس ضروريا لضمان استمرار نشاط المقاولة.
لذلك فإن صاحب الرهن الحيازي يبقى في وضعية مريحة بعيدا عن تزاحم ومنافسة بقية الدائنين بما فيهم الدائنين اللاحقين، لكن شريطة أن يأذن بذلك القاضي المنتدب حيث يأمر هذا الأخير بذلك عدا كان فك الرهن تبرره ضرورة متابعة نشاط المقاولة.
غير أن جانب من الفقه ذهب إلى أن مقتضيات المادة 609 من قانون 73.17 لا تمثل استثناء على امتياز المادة 590 من نفس القانون بدعوى أن المادة الأولى مشروطة بترخيص القاضي المنتدب لتطبيقها في حالة ما عدا إذا كان الشيء المرهون ضروريا لاستمرارية نشاط المقاولة، وبالتالي فهو في مصلحتها الشيء الذي لا يتعارض مع مقتضيات المادة 590.
2- الدين المضمون في حق الحبس:
يعرف الفصل 251 من قانون الالتزامات والعقود حق الحبس بأنه ” حيازة الشيء المملوك للمدين وعدم التخلي عنه إلا بعد وفاء ما هو مستحق للدائن” .
وبالتالي فالمشرع المغربي لم يحدد من الآثار القانونية لحق الحبس مما يؤثر سلبا على فعالية الأسبقية المقررة لدائني المادة 590 من قانون 73.17.
وكذلك فإن المادة 609 من قانون 73.17 تعطي الصلاحية للقاضي المنتدب أن يرفض للسنديك بأداء الديون الناشئة قبل حكم فتح المسطرة لفك رهن أو لاسترجاع شيء محبوس بصفة قانونية إذا كان يستلزمه متابعة نشاط المقاولة ومنه يتبين مدى القوة التي يحظى بها المركز القانوني للدائن الحابس حتى بعد صدور حكم التسوية القضائية مادام أنه بإمكانه أن يحول دون استعادة الشيء المحبوس أو بيعه ما لم يتم الوفاء الفوري والكامل بدينه .
وإذا كان المال سيبقى محبوسا ما لم يتم الأداء الفوري للدين بكامله فإن ذلك يعني أن دائني المادة 590 من قانون 73.17 لا يمكنهم استخلاص ديونهم من ذلك الشيء طالما لم يستوفي الدائن الحابس كامل دينه.
وينتقل حق الحبس بقوة القانون إلى ثمن البيع وبالتالي يمارس الدائن نفس الحقوق التي كان يمارسها على الشيء أو المال مما يغل يد السنديك بالتصرف في ثمن البيع لأنه يخصص بصيغة حصرية للدائن الحابس دون دائني المادة 590 بالرغم من حق الأسبقية المعترف به لديونهم فإنهم لا يحصلوا بحسب البعض ولو على سنتيم واحد من ثمن البيع.
ومن الحدود المؤثرة كذلك في حق الأسبقية نجد حقوق الاسترداد التي عرفها بعض من الفقه بأنها ذاك الحق الذي يمنحه القانون لمالك المال أو الشيء لاسترجاعه من يد المدين المحكوم عليه بمسطرة من مساطر المعالجة.
وعليه يستند صاحب الاسترداد في طلبه إلى حق ملكية المال المنقول الموجود في حيازة المدين.
وقد اكتفى المشرع المغربي بالعرض لبعض الحالات الأكثر شيوعا لممارسة الاسترداد كاسترداد البضائع التي تم فسخ عقد بيعها أو التي يتم تسليمها للمقاولة المفتوحة ضدها المسطرة أو المسلمة للمقاولة على سبيل الوديعة، أو من أجل بيعها لحساب مالكها طبقا للمادة 704 من قانون 73.17.
المحور الثاني: بعض نماذج وتطبيقات المادة 590 من قانون 73.17
إن المتمعن في مقتضيات المادة 590 من مدونة التجارة يجد أن تطبيقاتها متعددة لذا حاولت من خلال هذا المطلب الوقوف عند بعض النماذج التي تعكس مضمون المادة أعلاه من خلال الوقوف عند ديون الأجراء خلال معالجة صعوبات المقاولة ومعرفة مدى امتياز هذه الديون ومدى استفادتها من حق الأسبقية (أولا) ثم الوقوف فيما بعد عند المبالغ المستحقة لمكتري المحلات المعدة لنشاط المقاولة لمعرفة مدى تأثرها بمقتضيات المادة 590 من مدونة التجارة (ثانيا).
أولا: ديون الأجراء خلال معالجة صعوبات المقاولة
لقد أولى المشرع المغربي اهتماما خاصا للأجور بالنظر إلى وظيفتها الاقتصادية والاجتماعية في حياة الأجير بوضعه مجموعة من الضمانات القانونية الرامية إلى حمايته وضمان أدائه لدوره المعيشي، خشية أن تؤدي القواعد العامة والحجوزات والمقاصة إلى ضيعه كله أو بعضه مما يساهم في زعزعة وضعه الاقتصادي حيث يجعل ديون الأجراء ديونا ممتازة يمكن المطالبة بها بالأولوية على باقي الدائنين.
فديون الأجراء الناشئة بعد حكم فتح مسطرة التسوية القضائية في مواجهة المقاولة المشغلة تعتبر من ضمن الديون المشمولة بحق الامتياز المنصوص عليه في المادة 590 ويعامل المأجورين بنفس المعاملة التي تسري على مختلف الدائنين المستفيدين من حق الأولوية الوارد بشأن نص المادة 590 من ق 73.17 هذه المعاملة تتمثل في أن جميع الدائنين المذكورين يستوفون ديونهم بالأسبقية على أولئك الذين لهم ديون ناشئة قبل فتح المسطرة ولو كانت مضمونة برهون رسمية أو غير حيازية أو رهون حيازية .
فالمشرع المغربي لم يوفر الحماية اللازمة للأجراء من خلال مدونة التجارة سنة 1996 على الرغم من أنه استقى أحكام هذه المدونة وخصوصا الأحكام المتعلقة بمسطرة صعوبات المقاولة من قانون الفرنسي ل 25 يناير 1985 فإنه لم يسلك نفس النهج الذي سار عليه المشرع الفرنسي والذي نص في المادة 40 على نفس الامتياز التي نصت عليه المادة 590 (575 سابقا) ولكن مع فرق جوهري بينهما.
حيث عمل المشرع الفرنسي على جعل ديون الأجراء مقدمة على غيرها من الديون ومتعها بامتياز الدرجة الأولى، أو بامتياز الامتياز وذلك سواء أثناء فترة الملاحظة أو إعداد الحل أو حتى في مرحلة التصفية القضائية.
فالمشرع المغربي لم ينص على امتياز ديون الأجراء خلال مرحلة معالجة صعوبات المقاولة وأمام انعدام نص قانوني يرتب الامتيازات المنصوص عليها بالمادة 590 من قانون 73.17 التي نصت على أداء الديون الناشئة بعد فتح المسطرة على كل الديون الأخرى سواء كانت مقرونة بضمانات أو امتيازات أو لا مع مراعاة الاستثناءات المنصوص عليها في نفس المادة .
الأمر الذي يجعل المأجورين كدائنين مستفيدين من امتياز المادة 590 يعاملون بنفس المعاملة التي يعامل بها باقي الدائنين المستفيدين من امتياز هذه المادة وهذا الغموض راجع لسبب أن المشرع لم يرغب في منح الأسبقية المطلقة لأداء ديون الأجراء على باقي الديون الأخرى، لكن كان عليه أن يبين ذلك ويبين فيه بنصوص لا تدع مجالا للشك عوض هذا السكوت الذي يطرح أكثر من سؤال.
لذلك حبذا لو أخد المشرع بالضمانات التي سنها نظيره الفرنسي عوض بترها في غياب حماية حقيقية للأجراء، فالجانب الاجتماعي في مساطر المعالجة يفرض نفسه بصفة كبيرة إضافة إلى الجوانب الاقتصادية والمالية.
ثانيا: مبلغ الكراء المستحق لمكتري المحلات المعدة لنشاط المقاولة
يعتبر عقد كراء المحلات المعدة لنشاط المقاولة من أهم العقود المستمرة أو الجارية والتي يملك السنديك وحده صلاحية المطالبة بمواصلاتها أو التخلص منها.
وذلك بحسب ما تتطلبه مصلحة المقاولة في متابعة نشاطها ولا يترتب على فتح التسوية القضائية فسخ عقد كراء المحلات المعدة لنشاط المقاولة بقوة القانون، فالمكري هو الذي يجب عليه أن يطلب فسخ هذا العقد، مع ضرورة التقيد بأحكام المادة 588 من قانون 73.17.
وللمكري وضعيتان الأولى قد يكون بموجبها دائنا للمقاولة المفتوحة في مواجهتها المسطرة بمبالغ كرائية مستحقة عن فترة معينة قبل صدور الحكم القاضي بفتح المسطرة، ففي هذه الحالة يبقى المكري ملزما بالتصريح إلى السنديك بهذه الديون التي نشأت قبل تاريخ الحكم بفتح المسطرة.
أما الوضعية الثانية فهي التي يكون فيها المكري دائنا بمبالغ مستحقة عن الفترة اللاحقة للحكم بفتح المسطرة، في حالة مواصلة عقد الكراء وهنا تتمتع هذه الديون بحق الامتياز المنصوص عليه بمقتضى المادة 590 من قانون 73.17.
أما في حالة ما إذا تم فسخ عقد الكراء نتيجة عدم مواصلته من طرف السنديك فإن المكري المذكور يتمتع بامتياز إضافي عن وجيبة الكراء للسنة التي يتم خلالها هذا الفسخ.
أما إذا لم يتم فسخ عقد الكراء فلا يمكن للمكري في حالة ما إذا كان عقد الكراء ثابت التاريخ المحدد المدة أن يطالب بالوجيبة الكرائية التي لم تستحق بعد اللهم إذا تم إلغاء التأمينات أو الضمانات التي أعطيت له عند إبرام العقد وذلك طبقا لأحكام المادة 694 من قانون 73.17.
وبالتالي وانطلاقا مما سبق يمكن القول أن الديون الامتيازية تبقى مقدمة على كافة الديون الأخرى حتى لو كانت هذه الديون مقرونة برهن رسمي، ويبقى مركز المكري يحتل مكانة خاصة في نظام مساطر المعالجة لما تتمتع به من حقوق تميزه على باقي الدائنين وعلى رأسها الحق في تحريك المتابعات الفردية المستندة على سبب عدم قيام المكري بعمل أو امتناعه مسايرة عمل كسند للمطالبة بفسخ عقد الكراء وما يمثل ذلك من مساس لمؤسسة الأصل التجاري كأحد اللبنات الأساسية في نظام الضمان العام المهم لدائني المادة 590 من قانون 73.17 الشيء الذي قد يعصف بمركزهم في مواجهة مركز مكري المحل المخصص لمزاولة نشاط المقاولة المتعثرة.
وعليه فامتياز التي تحظى به ديون الأجراء وديون المكري في إطار مسطرة معالجة الصعوبات تعتبر من أهم تطبيقات المادة 590 من م ت التي تنص على حق الأسبقية في استيفاء المبالغ المالية للدائنين المتعاملين مع المقاولة خلال هاته الفترة الحرجة من حياة المقاولة وذلك كله وفق نسق متسلسل من الشروط والضوابط التي سبق رصده.

خاتمة:
​وختاما نجد أن المشرع المغربي عمل جاهدا من خلال قانون 73.17 على تكريس مجموعة من التعديلات التي ستساهم في إنعاش المقاولات لتجاوز الصعوبات التي تعاني منها وذلك موازاة مع الحفاظ على مصالح الدائنين باعتبارهم الحلقة الأضعف في مسلسل الإصلاح والمعالجة التي تقطعه المقاولة، لذلك فإن مبدأ التوازن الذي سعى إليه المشرع من شأنه إنقاذ المقاولات المتعثرة وحماية المصالح المرتبطة بها وذلك من خلال:
حق الأسبقية المقرر لصالح الدائنين اللاحقين عن تاريخ فتح مسطرة المعالجة وإن كان من شأنه أن يقوي ثقة الدائنين للمساهمة في دعم المقاولات ومساندتها عبر منح قروض وتمويلات فإن ما يعاب على المشرع في هذا الصدد أنه لم يعمل على تحديد لائحة واضحة ودقيقة تشمل كيفية أداء ديون الدائنين عند مزاحمتها وهو ما يقتضي الرجوع إلى القواعد العامة.
بالإضافة إلى أن الاستثناءات المترتبة عن حق الأسبقية والمحددة ضمن المادة 590 من مدونة التجارة من شأنها الحد من فعالية استفادة الدائنين اللاحقين عن فتح مسطرة التسوية من استيفاء ديونهم بالأسبقية.
وفي الأخير لا يفوتني أن أشير إلى أن ديون الأجراء ومكتري المحلات التجارية تعتبر نماذج مبسطة لتطبيقات المادة 590 رغم أنه وبحسب رأي المتواضع فإن ديون الأجراء ينبغي أن تفوق حق الأسبقية وأن تحظى بامتياز الإمتياز أو بامتياز حق الأسبقية المطلق الذي من شأنه أن يجعل هذه الديون في مرتبة أو درجة أولى كما فعل المشرع الفرنسي في تشريعه الخاص بمساطر صعوبات المقاولة وذلك نظرا لطابع المعيشي لهذه الأجور.

لائحة المراجع:
محمد الفروجي، وضعية الدائنين في مساطر صعوبات المقاولة دراسة تحليلية نقدية في ضوء القانون المغربي والقانون المقارن، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأولى، سنة 2006.
عمر أزوكار، قضاء محكمة النقض في مساطر التسوية والتصفية القضائية، منشورات دار القضاء بالمغرب، الطبعة غير مذكورة سنة 2014.
أحمد شكري السباعي، الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها، الجزء الثاني، مطبعة المعارف الجديدة الرباط، الطبعة الثانية، سنة 2007.
عبد الرحيم شميعة، شرح أحكام نظام مساطر معالجة صعوبات المقاولة في ضوء القانون 73.17، مكتبة سجلماسة مكناس، طبعة 2018.
أسماء هتاك، حماية الدائنين في مرحلة صعوبات المقاولة، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية الاقتصادية والاجتماعية، طنجة 2011/2012
حياة الزنيتي، الديون الامتيازية في معالجة صعوبات المقاولة، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية طنجة، السنة الجامعية، 2008- 2007.
عمر السكتاني، تعامل القضاء مع عقود الشغل في مساطر صعوبات المقاولة دراسة مقارنة بالقانون الفرنسي، مقال منشور بمجلة الحقوق المغربية، العدد 3 ص 123

1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى