
المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم فاز بدوري أبطال كرة القدم للدول العربية قبل أسبوع أو أسبوعين فقط، وهو اليوم يخوض معارك للفوز بكأس إفريقيا لكرة القدم “الكان” التي تجري على أرضه، والمغرب شعبا وحكومة حاضرون في هذه التظاهرات الرياضية ويستقبلون كأس العالم لكرة القدم؛ بمعنى أننا سنعيش على هذا الإيقاع لفترة زمنية طويلة قد تمتد لسنة أو أكثر، بجوارحنا وحناجرنا وعواطفنا ومشاعرنا، نقضي وقتا مهما أمام شاشة التلفزيون أو الحاسوب أو الهاتف، والمحظوظ منا سيجد له كرسيا داخل الملعب لمتابعة إحدى هذه المباريات..!
ليس الهدف من هذا المقال الحديث عن العائد الاقتصادي والسياحي لكرة القدم ولا عن البنى التحتية والخدمات العامة التي ستعرف تطورا كبيرا من أجل استقبال تظاهرات بهذا الحجم ولا المستوى التقني والبدني الذي يجب أن يكون عليه المنتخب الوطني لخوض مباريات الكان ولا الإمكانات اللوجستية لتنظيم كأس العالم لكرة القدم، فهذه جوانب لها أهميتها ولها أهلها..
سنحاول الولوج بالقارئ إلى ملعب كرة القدم لنتأمل بعض المعاني والدروس التي يمكن استخلاصها من حدث يشغل ملايين البشر، بل الملايير منهم داخل القارات الخمس، ويشعل الحماس والمنافسة بين الشعوب حتى إنه ليخلق لدى البعض أزمة نفسية عند الهزيمة أو صدمة قلبية لشدة الفرح والصراخ عند الانتصار، وقد رأينا في مناسبات عدة كيف يتسمر الناس أمام الشاشات لمتابعة ضربات الجزاء فيستقبلون التسجيل في مرمى الخصم بالعناق والهتاف أو بالبكاء والانهيار عند التسجيل في مرمى الفريق الوطني..!
كل هذا تحدثه كرة من الجلد منفوخة يحسن أشخاص تقنيات عالية لدحرجتها أو ركلها في أوضاع محسوبة بهدف تسجيل هدف في مرمى الفريق/الخصم.
كرة السلة أو كرة اليد أو الكرة الطائرة، جميعها مصنوعة من نفس المادة يتقاذفها أشخاص ايضاً بتقنيات عالية، لكن جمهورها لا يصل معشار جمهور كرة القدم، لماذا؟! لا أدري، ربما يجيب البعض بأن كرة القدم هي اللعبة التي يسهل تنظيمها في الأحياء فينشأ على حبها الأطفال فيحصل هذا التفاعل العجيب مع المباراة؛ لكن هذا لا يفسر سر اهتمام النساء والرجال والشيوخ والمتدينين وغير المتدينين وجميع طبقات المجتمع وفئاته بهذا الصنف من التظاهرات الرياضية، بل جميع شعوب العالم على اختلاف ثقافاتهم وانتماءاتهم العرقية ولغاتهم هم على هذا المنوال..!
لذلك جدير بنا أن نتأمل خصوصيات هذه اللعبة؛ ولعل أهمها أنها:
أولا :أنها منافسة بين فريقين هذا معي وهذا ضدي؛
المنافسة لا توجد في هذا المجال وحده بل هناك منافسة أيضا في الانتخابات بين الأحزاب السياسية، ومنافسة بين مراكز البحث العلمي، ومنافسة حضارية بين الشعوب..! لكنها منافسة لا تحترم قانون اللعبة في الدول المتخلفة!
ثانيا: كرة القدم لعبة جماعية تنسيقية فيها دفاع وهجوم ووسط، فيها تنسيق بين اللاعبين وبين الأجنحة، كل لاعب له دور ومكان معلوم يلتزمه مع بعض الاستثناءات،وإذا فقد الفريق صفته الجماعية والتنسيقية فمصيره الهزيمة؛ وهذه الصفة الجماعية بتنسيق مدروس غائبة لدى الدول المتخلفة في ميادين السياسة والبحث العلمي والابتكار، بينما تلتزمها الدول المتقدمة.
فعلى سبيل المثال لا تكاد تميز في الدول المتخلفة بين اليسار واليمين والوسط في السياسة كما تميزه في ملعب كرة القدم!
فاللاعبين السياسيين يرحلون من لون إلى آخر بحسب المصلحة الفردية على حساب المصلحة الحزبية، والحزب أيضا ينتقل من المعارضة إلى صفوف الأغلبية أو العكس بميزان المصلحة الحزبية لا لأجل الصالح العام ، وهذا يفسد اللعبة السياسية ويجعلها مطية تحقيق المصالح الضيقة..!
ثالثا هي لعبة تفاعلية مع الجمهور: فهناك جمهور مشجع لهذا الفريق أو ذاك في كرة القدم، له دور هام في تحقيق الانتصار، بينما في الساحة السياسة هناك انتماءات حزبية لتأييد لونها السياسي أو لنصرة الأغلبية لكنها جماهير مغيبة عن أداء أدوارها في الدول المتخلفة التي تزور إرادة الناخبين وتصنع الأغلبية على مقاسها.
رابعا:هناك طاقم إداري يشرف على اللاعبين في كرة القدم: تخص تدريباتهم وغذائهم وعلاجهم وسفرياتهم وتوازنهم النفسي، طاقم يرأسه مدرب وطبيب ومنسق..إلخ وهذا غائب في مجالات السياسة والبحث العلمي في الدول المتخلفة، فلا يحظى بهكذا عناية وتنسيق إلا ما كان منه سطحيا أو ظاهريا فارغا من المضمون!
خامسا: في مباراة القدم هناك حكام، المفروض فيهم الموضوعية والعدل: وأحكامهم نافدة ومراقبة بكاميرات الVAR تصحح أخطاءهم إن أخطأوا؛ وهذا غائب لدى العديد من الدول المتخلفة، في معظم انشطتها السياسية، بل وجميع مجالات المنافسة التي تستدعي حكاما بين المتنافسين..!
*فالحاصل مما سبق أن كرة القدم تعلمنا أن التحضير الجيد لللاعبين على مستوى التدريب و اللياقة البدنية مع احترام قانون اللعبة وإشراك الجمهور في التشجيع والهتاف، من شأنه تحقيق نتائج مرضية، تقابله فوضى في الملعب السياسي بأحزاب غير مؤهلة لا تحترم قانون اللعبة السياسية، وتدخل للإدارة أو للمال الانتخابي يفسد اللعب، وجمهور/شعب مغيب، كل ذلك ينتج خريطة سياسية هجينة لا تجيب على تطلعات شعوبها في التنمية والعدالة الاجتماعية.
بقي درس على المستوى النفسي، وهو :
سادسا: على المستوى النفسي نعم كرة القدم تبقى مجرد لعبة، نتفاعل معها عاطفيا ووجدانيا لكن لابد أن نتعلم كيف نحكم عقولنا في مشاعرنا، وهو درس هام من كرة القدم..
*ففي الحياة آلام وآمال، نجاح وفشل، فرح وحزن، لكن ميزان العقل هو الذي يجب أن يضبط إيقاع التحولات النفسية التي تفرضها الحياة بأكدارها وعطاءاتها*
هذه بعض دروس كرة القدم التي تشغل ملايير البشر وتهز كيانه!





في جميع المجالات، القانون المحترم لشفافيته ونزاهته وتوازنه سيحترمه الجميع.
مع الاستعانة بال VAR لأنه أثبت نجاعته في ضبط المخالفات