
كانت بطولة كأس العرب التي انتهت قبل أيام استثنائية بكل المقاييس، فقد شهدت النسخة الأخيرة طفرة جماهيرية كبرى حُطمت خلالها كافة أرقام النسخة السابقة، فوصفها المنظمون بأنها “تاريخية”، وما جعلها تحقق ذلك النجاح غير المسبوق، هو ذلك الإقبال الجماهيري الكبير من مختلف أرجاء الوطن العربي، حيث تحولت إلى كرنفال جماهيري مميز جمع آلاف المشجعين، الذين تجاوزوا المليون، ربعهم جاء من خارج قطر كما أكدت اللجنة المنظمة، فقبيل انطلاق مونديال العرب أعلنت هذه الأخيرة عن طرح مليون وستمائة ألف تذكرة لحضور المباريات، وهنا انفتحت شهية الدول المتنافسة فتسابقت إلى اقتناء التذاكر لجماهيرها، حيث تصدرت دول بعينها قائمة الاستحواذ على المدرجات! إضافة الى الدولة المستضيفة، وكشف رئيس اللجنة المنظمة أنّ الدول الأكثر شراءً للتذاكر هي المملكة الأردنية والمملكة السعودية..
أما المملكة المغربية فلم يسجل لها حضور يذكر في هذا الميدان! بل قد ترك جمهورها الشغوف ليواجه قدره أمام منصة الفيفا، ويحصل على عشرات من التذاكر الرقمية بجهود ذاتية من هنا وهناك، كما اضطر بعضهم ليقتات على “فائض” تذاكر الخصوم ..!!
وإذا كانت المباراة النهائية لهذه النسخة من مونديال العرب قد سجلت أعلى نسبة حضور، حيث توج المنتخب المغربي بلقب البطولة أمام 84,517 مشجعاً، فإن تبخر تلك الجماهير من المدرجات بعد الإعلان عن انتهاء المباراة بفوز الأسود تحكي لنا قصة مختلفة تماما !
كيف نجح آلاف المشجعين الأردنيين في اكتساح المدرجات؟ وكيف غاب المشجعون المغاربة عن مؤازة منتخب أسود الأطلس؟ وهل يعقل أن يتوج البطل أمام المقاعد الفارغة؟! من المسؤول عن ذلك الغياب الكبير؟!
إنه الاهتمام التام باللاعب رقم 12، فهو قطب الرحى في التظاهرات الرياضية الجماهيرية، وصدق من وصفه باللاعب 12 فهو ليس متفرجا فقط بل لاعبا اساسيا في هذه اللعبة الشعبية، وإذا اخذنا منتخب النشامى الذي غزا المدرجات على شساعتها وضخامتها وفخامتها، فإننا نجده قد فعلها بدعم من ثلاث مستويات، فالدولة نزلت بكل ثقلها بحضورها الرمزي والفعلي، وضمت سفاراتها “غرفة عمليات” تشتغل على مدار الساعة لتحقيق اللقب! والاتحاد الأردني لكرة القدم اشتغل بكل طاقته تحت أنظار ولي العهد وعمه لتوفير الدعم الكامل للمنتخب والجماهير المتدفقة على الملاعب بالدوحة، كما أن رابطة مشجعي المنتخب الاردني استيقظت باكرا ووحدت صفوفها واستعدت مبكرا لمساندة منتخب النشامى، بتنسيق كامل مع الاتحاد والسفارة واللجنة المنظمة المحلية للفيفا، حيث وفرت للمشجعين كل التسهيلات الممكنة للحصول على تذاكر كل مباريات منتخبهم، وقد أعلنت في الأردن “فزعة النشامى” وتم تسيير “جسر جوي” باثمنة تحفيزية، وتسهيل “الزحف البري” ليعزز صفوف المشجعين الاردنيين المقيمين في قطر الذين يمكن لهم وحدهم ان يملأوا ملعب لوسيل لعددهم الكبير الذي يفوق 80000 أردني! نصفهم منضبط لتوجيهات رابطة المشجعين التي تضم صفحتهم على الفيسبوك 100000 متابع!
فأمام هذا الإعداد لجحافل النشامى، الذين كانوا معبئين تماما للحصول على اللقب، لم تسجل هذه النسخة أي حضور للجامعة المعنية ! بل إن منتخبنا الوطني تأخر في الوصول إلى الملعب ولم يجد من يحل المشكلة بسرعة! أما الجمهور الذي عاش رحلة البحث المضنية عن التذاكر فلم يجد “ظهرا” يسنده أمام طوفان النشامى وتسونامي الاخضر واكتساح الابيض ..! فكل تلك الجماهير وراءها دولة داعمة بقوة واتحاد يتابع كل الخطوات ورابطة موحدة ومنظمة، تلك هي الوصفة السحرية التي غابت عنا فأثرت على تلك النهاية الاستثنائية في هذه النسخة غير المسبوقة..وقد أرجع بعض المتابعين غياب الجامعة عن ملف التذاكر بعقدة فضيحة مونديال 22، حيث اصبح المسؤولون في الجامعة ومن يحوم حولهم يخافون الاقتراب من التذاكر حتى يتجنبون مصير من سبقهم! ان تفجرت فضيحة ما، وهكذا ترك المجال للمحظوظين وللعلاقات الشخصية واصبح بعض الأفراد المعروفين في صفوف الجالية باقترابهم من موضوع التذاكر والمتاجرة فيها او تحويلها فقط للمعارف والأقارب يغلقون هواتفهم ولا يردون على الاتصالات التي اغلبها تبحث عن تذكرة! ولا بد من الاعتراف ان الوحدة التي تمتعت بها جماهير المنتخب الاردني غابت عن مساندي اسود الاطلس الذين احتفظوا بحظ من التفرقة التي ظهرت في بعض الملاعب عند تفجر الخلافات وفشل مبادرات التقريب بين روابط المشجعين، الذين غابوا عن حفل الرابطة ولم تستطع ان تربط بينهم ففاقد الشيء لا يعطيه!
وهكذا استمرت الكرة المستديرة في سخريتها السوداء وتحطيم كل القواعد وكسر كل التوقعات! فالجمهور الذي عانى من “الحصار الرقمي” للفيفا استطاع ان يوصل صوته ولو رددت صداه مقاعد فارغة! والمدرب المتوج المتواضع يمد يده للاعب مهزوم متكبر فيرفض المصافحة! وثالثة الأثافي أن المنتخب الوصيف تم استقباله استقبالا الابطال، وقالوا بصراحة ” نحن فرحانين لكننا مقهورين” ! فقد كانوا مؤمنين بان الكاس سيذهب إلى عمان، ولكنه يبدو أخطأ الهدف فذهب إلى الرباط، لتصف الصحف استقبال المتوجين بانه “استقبال باهت” للأبطال! فيبدو أن السكيتيوي سبح ضد التيار وكسر القواعد! وجاب الكاس الذي لم تكن الدولة مستعدة له! فظهر ذلك في غياب الدعم الحقيقي للاعب رقم 12 ! ولكن هذا الاخير آمن بالكاس وبذهابها للمملكة التي كانت منشغلة بكأس افريقيا ومتابعة تشكيلة وخطط وليد الركراكي الذي يبدو انتقل من مرحلة النية إلى مرحلة الغرور، وهي بداية النهاية إذا لم يستفد من التواضع الذي حصد به السكيتيوي عدة كؤوس، فإن لم يستفد فقد آن أوان تغيير الرؤوس، خصوصا إذا لم يحقق الحلم ببقاء كاس افريقيا في المملكة الشريفة، وإن غدا لناظره لقريب..




