رأي

تدبر آية في فجر الجمعة(301) حقوق المجتمع من حقوق الله

رضوان ابن شقرون

انطلاقا من قول الحق سبحانه وتعالى في سورة المائدة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴿38﴾فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴿39﴾﴾
في الحديث محوران كبيران هامان هما حق الله، وحق المجتمع، وإن نحن استحضرنا مقاصد التشريع في المنظومة الإسلامية عامة اتضح لنا معنى الحديث وتكونت في أعماقنا قناعة مطلقة بحكمة الشرع في قوانينه مهما ظهرت قسوتها أو تكلم فيها المغرضون أو خالفها الظالمون المعتدون على شرع الله بغير علم ولا عدل:
فأما حق الله فيشير إليه حد السرقة، والحدود كلها تعتبر حقوقا لله نهينا عن تعديها باقتحام المحرمات، أو تجاوزها إلى غيرها بتطبيق أحكام غير أحكام الله، وقد رفض النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة أقرب الناس إليه واستنكر شفاعته في حد امرأة سرقت وقال صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”، ومعلوم أن النساء عندنا شقائق الرجال في الأحكام كما في الأثر. ويستثنى من ذلك أن يتوب السارق قبل وصول أمره إلى الحاكم، لأن من تاب من ذنبه وأصلح حاله فإن الله غفور رحيم، ويجوز حينئذ عدم تطبيق الحد، ولا سيما إن سامح المسروق السارق وتركه، أما إذا وصل ملف القضية إلى المحكمة فلا شفاعة ولا تسامح لأن الحد يصير حقا لله.
وأما حق المجتمع فإن قطع يد السارق رغم قسوته على فرد واحد هو الجاني السارق، فإنه أرحم للمجتمع كله وأطهر من عناصر الشر والأذى والظلم وأدعى إلى ردع الضال ورده عن ضلاله. وللتأمل وتذوق حكمة الشرع في هذا نروي قصة رجل سرق في عهد النبي صلى الله عليه وسبم فأتي به إليه، فقال، وهو أعلم بمقاصد التشريع وعمقها وأبعادها التعبدية والاجتماعية والإنسانية: (اقتلوه)، فعجب الصحابة وسألوا أن تقطع يده فقط، فقال لهم: (اقتلوه)، فتريثوا فقال في المرة الثالثة: (اقطعوا يده) لكن الرجل ظل يسرق، ويسرق إلى أن سرق خامس مرة في عهد الخليفة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وقد قطعت أطرافه كلها، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: (كان رسول الله ﷺ‎ أعلم بهذا حين قال: اقتلوه).
ولا عبرة في هذه الجريمة بنوع المسروق كثيراً أو قليلاً، ثميناً نفيساً أو رخيصاً هيناً، ولا بمن سُرِق منه شيء أشريفٌ ووجيهٌ هو أم وضيعٌ وعاديٌّ، ولا عبرة أيضا بقرارت هيئات كافرة أو منظمات إلحادية، أو اتفاقيات دولية لما يدعى مغالطة (حقوق الإنسان) وهي تعطي الفرد حقا، وتحرم المجتمع حقوقا؛ إنما العبرة في شرع الله بأمور ربانية تعبدية وإنسانية اجتماعية يثيرها فعل السرقة من جهات: الأولى من حيث هو ظلم للآخرين ونهب لحقوقهم، وضمنه تعدي حد من حدود الله لما فيه من فساد الفرد وإفساد تربوي واجتماعي. والثانية من حيث الأحوال الاقتصادية العامة في المجتمع والأمة، فإذا سرق رجل أو امرأة لسد الرمق أو إطعام جائع تحت رعايته وقد عجز عن إيجاد قوته، وكذا إن كانت الأمة عامة في مجاعة أو ضائقة اقتصادية، فلا حد حينئذ. والثالثة من حيث الطبع والحالة الصحية للسارق، فإن كان به مرض نفسي ظاهر، أو به خلل عقلي مانع، فإن ذلك يراعى بقدره ويسهم في تقرير الحد الشرعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى