
ديننا الإسلامي هو دين السلام والمحبة والوئام، ونبذ الفرقة والانقسام المؤدي للعداوة والشقاق والخلاف الحاد إلى درجة التلاسن رجما بالزندقة والتفسيق والكفر والاقتتال الذي يدب أحيانًا بين أبناء الصف الواحد والتيار الإسلامي، وانشغال بعضهم ببعض بدلًا من انشغالهم بالدعوة للآخرين، وإزالة الغشاوة عنهم.
وهذا أمر جلل خطير يهدد لُحمة الأخوة الحقة والعمل الدعوي في إذكاء النعرات، وينذرها بالفشل في استرجاع ماضيها التليد… ومع كامل الأسف وشديد الحسرة قد يتوارث هذا المرض العُضال إلى الأجيال القادمة كما هو واضح في السوشيل ميديا نشرا لغسيله على الجُهال تعصبا للمذهبية المقيتة، وانتصارا لبعض ما يسمَّون بالعلماء المفسرين للقرآن على هواهم، والملغين بالضبط لصحيح البخاري دون الكتب الأخرى التي تُعنى بالسُّنة. قال عز وجل منبها الساعين إلى التحريش بين المؤمنين الإخوة: { وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَب رِيحُكُمْ، وَاصْبِرُوا، إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « أَلاَ أُخْبٍرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصٌِيَامِ وَالصٌَلاَةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنٌَ فَسَادَ ذات البين هِيَ الْحَالِقَةُ»، وقال: «هي الحالقة، لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ
تَحْلِقُ الدِّينَ». ولقد دعا رسول
الله صلى الله عليه وسلم ثلاث دعوات،فاستُجيب له في اثنتين، ولم يَسْتَجِبْ له في الثالثة وهى: «أَلاَّ يُفَرِّقَ أُمَّتَهُ شِيَعًا فلم يُسْتَجَبْ له » لأن العزيز الحكيم ادَّخَرَهَا في نعيم أهل الجنة، فقال مُمْتَنًّا بِهَا على عباده المؤمنين: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ }.
بل من أهمية إصلاح ذات البين أن رسول الله صلى عليه وسلم رخص في الكذب البسيط المؤدي للإصلاح بين المتخاصمين للحفاظ على بيضة المسلمين من الكسر ، فيسهل على الأعداء تفتيتها. قال جل جلاله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وأحل النجوى مقيدة بهذا الأمر، فقال: (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ).
وقال صلى الله عليه وسلم: “لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمُ الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ”.
وإليكم أسوق بعض أسباب الخلاف ومفسدات الأخوة؛ لعل أهل النهى والتقى يعملون بمقتضاها، فينشرونها بين الإخوة منها:
1- آفة الكبر والفخر والظلم؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِليَّ أًنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ”.
2- الازدراء والاحتقار والسخرية والاستهزاء منه تسفيها لحاله ورأيه قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ، وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ، بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
3- إساءة الظن: قال تعالى: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ، إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا)، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ).
4- تصديق ما ينقل عنه من كلام من غير تَثَبُّت تَبَيُّن قال جل جلاله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ).
5- آفة النميمة ونقل الكلام وإفشاء الأسرار والمجالس، وهذه قد لا يخلو من لا يمارسها في زماننا الآن مما يؤدى إلى الإفساد والإيقاع بين الإخوة إلى درجة الاقتتال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم محذرا من هذا الخلق السيء: “لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ “.
6- الغِيبَة، ومعناها ذِكْرُكَ أخاك بما قال يكرهه في عدم حضوره. قال تعالى: (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا).
7- الجدال من أجل الجدال والمعارضة والتعصب للرأي رغم وجود أدلة أخرى على تأييده أو دَحْضِهِ بأسلوب طابعه الحِدٌَة والانفعال ورفع الأصوات الحميرية المنكَرَة في كتاب ذي العزة والجلال.
8- الغِلُّ والحقد والتدابر والتقاطع ونصب الفِخَاخِ للإيقاع في الوَرَطات؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم منبها إلى مغبة العمل بضدها عيوبا فاشية موصلة للنيران الحامية: “لاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، وَلاَ يُكَذٌِبُهُ، وَلاَ يَحْقِرُهُ، التقوى هاهنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ”.
9- الحرص على الدنيا والوجاهة والمكانة وحب الصدارة والشهرة والرياء.
وكلها أخلاق مذمومة لا تحتاج إلى دليل يسندها من الكتاب والسنة.
10- التنقص من الآخرين لإظهار مزايا نفسك والغيرة المذمومة التى تأكل قلوب البعض ونار الحسد؛ بسبب أنه رأى غيره أكثر فهمًا وعلمًا أو هِمَّة أو حركة أو التفاف الناس حول غيره.
11- استخدام الألفاظ الحادة أو اللَّمز أو التنابز قال عز وجل: (وَلَا تَلْمِزُواْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ)، وقال أيضا: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾
12- تلمس العثرات وعدم التجاوز عن الزلات، النصيحة على الملأ فضيحة وفي الستر محمودة مسندة في المراجع الصحيحة.
13- الإكثار من الذنوب والمعاصي والتقصير في حق الله موجب لعدم التواد والمحبة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فِي الله وَفِي الإِسْلاَمِ فَيُفْسِدُ بَيْنَهُمَا إِلاَّ مِنْ ذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا”.
14- عدم الإنصاف والعدل معه والمطالبة بحقوقك عليه ونسيان واجبك نحوه.
15- البدع والانحراف فى المنهج والجهل واتباع الهوى والعناد.
16- البهتان والافتراء والكذب عليه.
17- المبالغة فى المزاح مما قد يجرح المشاعر أو يسبب الإحراج.
وهناك أسباب كثيرة أخرى يطول المقام بذكرها، فَلْنَكْتَفِ بما ذُكِرَ متمنيا من الله الكبير المتعال مغير الأحوال أن يبصِّرنا بعيوبنا وأن يرزقنا الحكمة والبصيرة للمبادرة بحل مشاكلنا سريعًا؛ حتى لا تتفاقم فتذهب ريحنا بالمرة، وعلينا الانشغال والتفتيش في ما يصلح أنفسنا بدلًا من التفتيش فى نيات الآخرين واتهامهم بالباطل داعين لهم بظهر الغيب بالتوفيق والسداد لا الفُرْقة والْبِعاد، وأن نهاديهم إذا أمكننا ذلك علاجا لما يعتمل في قلوبنا من…. لقول النبى صلى الله عليه وسلم: ” تَهَادَوْا؛ فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحْرَ الصَّدْرِ”، وقال أيضا: “تَهَادَوْا تَحَابُّوا، تهادوا فَإِنَّهَا تُذْهِبُ بِالضَّغَائِنِ”.
فاللهم ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وانزع الغل والحقد من صدورنا إخوانا علي سرر متقابلين، واهدنا سبل السلام المبين.. اللهم آمين ..




