
عاشت فلسطين ومعها العالم الإسلامي، بل وشعوب العالم الحر لسنتين وبضعة شهور على إيقاع صراع دموي بين قوتين غير متكافئتين عدة وعتادا، الأولى إسرائيل المغتصبة للأرض الفلسطينية، تملك أعتى ترسانة أسلحة نارية بأدق التكنولوجيا الحديثة مدعومة بالمدد الأمريكي اللامشروط واللامحدود تسليحا ودبلوماسيا واقتصاديا؛ تواجهها مقاومة شرسة منبعثة من عمق المعاناة التي أنتجها حصار ظالم على قطاع غزة منذ ما يقرب من عقدين من الزمن!
نريد في هذا المقال إثارة الانتباه لسنة قرآنية وقانون حضاري يشتغل أمامنا وما يمكن أن يقدمه من إضاءات في قراءة هذا المشهد الذي يجليه صراع انبعث منذ 76 سنة..!
نحاول الاستجابة لمطلب شرعي يحث المسلم على التفكير في أقدار الله تحقيقا لما يسمى بواجب “الفهم عن الله”.
من السنن الإلهية الثابتة “سنة التدافع” بتعبير القرآن الكريم المأخوذة من قوله تعالى: (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) فهي سنة ماضية في تفعيل قدر الله سبحانه في الدول صعودا وهبوطا، تألقا وأفولا.
بعد تقرير هذه السنة الإلهية بقرون إبان نزول القرآن، يأتي العالم وفيلسوف الحضارة، المفكر البريطاني أرنولد توينبي ليقدم نظريته عن تطور المجتمعات ونشوء الحضارات في صورة قانون يحكم هذا التطور، عنوانه التحدي والاستجابة،إذ يقرر توينبي *أن التحدي والاستجابة هما المحرك الرئيسي لنشوء الحضارات ونموها وانهيارها، حيث تتولد الحضارات من مواجهة تحديات بيئية أو بشرية وتطور استجابات إبداعية*
فالذي يمكن تصوره من هذه الأحداث الكبيرة الجارية في المنطقة على ضوء سنة التدافع وقانون التحدي أن الله تعالى أراد إحياء أمة الإسلام بعد قرون من سباتها طبع عصور الانحطاط لتقوم بدورها في الشهود الحضاري؛ فقدر سبحانه هذا الوجود لأمة بني إسرائيل العدو الطبيعي لأمة الإسلام في قلب الحوض الحضاري الإسلامي، بتعبير الدكتور الشوباني في كتابه الأخير “المسألة اليهودية في عصر الطوفان”؛ وهو ما يشكل تحديا في قلب الأمة تستجيب له قدرا من الله وتفعيلا ل “سنة التدافع” بتعبير القرآن أو تحقيقا ل”قانون التحدي والاستجابة” بتعبير أرنولد توينبي؛ وهو ما نعيش إيقاعاته منذ البوادر الأولى للمقاومة الفلسطينية في الثلاثينات من القرن الماضي إلى أوج تمظهراته كما جسدها *طوفان الأقصى* !
فنحن مأمورون بالفهم عن الله في جريان أقداره، وإن قدر الله في أمة الإسلام أن تستيقظ من نومها، وقدر أمة بني إسرائيل أن تخضع لقانون التأديب تحقيقا لوعد الله تعالى كما في سورة الأعراف *﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم ﴾* [ الأعراف: 167] فهذا أيضا قانون/وعد إلهي يسري على أمة بني إسرائيل بسبب ظلمهم وكفرهم وعنادهم وقتلهم الأنبياء..!
*والحاصل أن جريان هذه السنة الإلهية يبشر بيقظة هذه الأمة وعودتها عما قريب للقيام بدورها في تحقيق مهمة الشهود الحضاري الذي كلفها الله به بعد ختم الرسالات بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وختم الشرائع بشريعته السمحاء، وختم كلمته سبحانه بالقرآن الكريم؛ ولن يتأتى لها تحقيق دورها هذا إلا بعد أن تنهي معركتها في تأديب أمة بني إسرائيل التي عتت عن أمر ربها ورسله*.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.





وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ