تعقيب على فتوى(حكم التدخين) المثيرة للجدل…!!!
بقلم: الدكتور عبد المنعم التمسماني أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب بتطوان، شعبة الدراسات الإسلامية

من المعلوم أن للفتوى في سلّم شريعتنا الغراء منزلة رفيعة ومرتبة شريفة ودرجة منيفة، فهي خلافة للنبي صلى الله عليه وآله سلم في وظيفة من وظائف البيان، وتوقيع عن رب العالمين. ومن ثم، فإنها (أمانة عظمى)، يحملها الفقيه ويسأل عنها يوم القيامة…
ولما كانت الفتوى بهذه المثابة، وجب على من تصدّر لها أن يراعي شروطها وضوابطها حتى تكون معتبرة شرعا.
-ومن ضوابط الفتوى المعاصرة التي يتعين على من تصدّر لها مراعاتها: عدم التّسرّع والعجلة في إصدارها، بإعطاء الحكم الشرعي فيما استفتي فيه، فإن ذلك نوع من (الجهل) و(الخرق) -كما قال الإمام مالك رحمه الله-، من شأنه أن يقلّل من مكانة الفقيه المتصدّر لها، ويؤدّي في الغالب إلى الوقوع في الزّلل، وإصدار أحكام خاطئة…
فالواجب على المتصدّر للفتوى أن يكون ذا أناة وتمهّل وتؤدة واستثبات في إصدارها، بحيث يقلّب النظر الفاحص في المسألة التي استفتي فيها، ويستفرغ الوسع في إدراكها من كل جوانبها، ومعرفة الواقع المحيط بها، واستبصار مآلاتها، واستشراف نتائج عواقبها وآثارها…
-ومن ضوابط الفتوى المعاصرة كذلك: مراعاة موجبات تغيرها المختلفة، ومنها: معرفة واقع العصر وتطور المعارف العلمية التي يكون لها تأثير في تغير الفتوى.
فالواجب على من تصدّر للفتوى في مسألة ذات علاقة بمجال من المجالات العلمية الدقيقة، التي لا دراية له بها، كالطب مثلا، استشارة أهل الاختصاص فيها وسؤالهم عنها، ليحصل له تصور صحيح كامل عنها؛ لأن (الحكم على الشيء فرع عن تصوره) كما هو معلوم، فمن لم يتصور الشيء على حقيقته، عجز عن إسناد أي حكم إليه.
-وقد لوحظ غياب الضابطين المذكورين في الفتوى الصادرة عن الأستاذ الحسين مفراح -وفقه الله وسدد خطاه- المتعلقة بحكم التدخين، والتي أثارت جدلا واسعا وردود أفعال كثيرة…
صحيح أن الفقهاء اختلفوا في حكم(التُّنباك) أو (التّتن)، أي (الدخان)، إبّان ظهوره وانتقاله إلى البلاد الإسلامية في أواخر القرن العاشر الهجري وبداية القرن الحادي عشر، فوُجد في كل مذهب من المذاهب من قال بإباحته، استنادا إلى قاعدة (الأصل في الأشياء الإباحة) ولعدم ثبوت ضرره عنده، ومن قال بتحريمه، بناء على ثبوت ضرره عنده، ومن قال بكراهته قياسا على البصل بجامع خبث الرائحة…
-فمن القائلين بإباحته من الحنفية:(عبد الغني النابلسي، ت 1143هـ)، وله فيه رسالة سماها: “الصلح بين الإخوان في إباحة شرب الدخان”،كما أفاده ابن عابدين في حاشيته: 6/ 459 ، و(شهاب الدين الحموي، ت1098هـ) في كتابه: “غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر” :1/ 225.
-وأشهر القائلين بإباحته من المالكية: (علي الأجهوري، ت1066هـ)، وله فيه رسالة سماها “غاية البيان لحلّ شرب ما لا يغيب العقل من الدخان”، وتابعه على القول بإباحته بعض متأخري المالكية، كالدسوقي، والصاوي، والأمير…[ينظر “تهذيب الفروق”، لمحمد علي بن الحسين المكي :1/ 219، و “حاشية ابن عابدين”: 6/ 459].
-ومن القائلين بإباحته من الشافعية: (الشّبراملّسي،ت1087هـ)، و(عبدالقادرالحسيني الطبري،ت1033هـ)، وله فيه رسالة سماها: “رفع الاشتباك عن تناول التّنباك”.
ومن الحنابلة: (الكرمي،ت 1033هـ)،صاحب”دليل الطالب”،وله في إباحته رسالة سماها: “البرهان في شأن شرب الدخان”. [ينظر “الفواكه العديدة في المسائل المفيدة”، لأحمد المنقور: 2/ 81-85، والموسوعةالفقهية الكويتية: 10/ 105].
-ومن القائلين بكراهته من الأحناف: (العمادي،ت 1171هـ)، ومن المالكية:(الصفتي، ت1193هـ)،ومن الشافعية: (الشرواني)، ومن الحنابلة: (الرحيباني، ت1243هـ).
[ينظر:”الدرالمختار”،للحصكفي، ص: 678، و”تهذيب الفروق”:1/ 219،و”حاشية ابن عابدين”: 6/ 460، و”مدارج تفقه الحنبلي”، للقميعي، ص: 168].
-ومن القائلين بتحريمه من الحنفية: (إسماعيل النابلسي،ت1062هـ) في”شرح الدرر”،و(الشُّرُنبُلالي، ت1069هـ)في”شرح الوهبانية”، و(المسيري، ت1006هـ). [ينظر “حاشية ابن عابدين”: 6/ 459]، و(الراشدي، ت1112هـ)، قاضي قسنطينة ومفتيها،في رسالته”تحفةالإخوانرفي تحريم الدخان”[حققها: عبد الله حمادي، ونشرتها دار الغرب الإسلامي،بيروت، 1997م]، و(أبو الحسن السندي، ت1138هـ) في “شرح سنن ابن ماجه”: 1/ 71 .
-ومن القائلين بتحريمه من المالكية: (سالم السنهوري، ت1015هـ)، و(إبراهيم اللقاني، ت1041هـ) في رسالته:”نصيحة الإخوان باجتناب شرب الدخان”، و (عبد الكريم بن محمد الفكّون،ت1073هـ) في كتابه:”محدّد السّنان في نحور إخوان الدخان”، الذي ردّ فيه على الأجهوري، و(عبد الله بن حسّون السلاوي، ت1013هـ)، و(أبو الغيث القشاش، ت1031هـ)، و(ابن حمدون، ت1043هـ)، ومحمد بن سليمان، كان حيا سنة 1050هـ)، وغيرهم…[ينظر “فتح العلي المالك”: 1/ 118، 123، و “الفواكه العديدة في المسائل المفيدة”: 2/ 77، و “الموسوعة الفقهية الكويتية”: 10/ 102] .
-ومن القائلين بتحريمه من الشافعية: (ابن علان المكي، ت1057هـ)، وله فيه رسالتان: “تحفة ذوي الإدراك في المنع من التّنباك” و “إعلام الإخوان بتحريم الدخان”، و (نجم الدين الغزّي، ت1061هـ)، و(القليوبي، ت1069هـ)، و(إبراهيم بن جمعان، ت1083هـ)، وغيرهم…[ينظر “الدر المختار”، ص: 678 ، و الفواكه العديدة: 2/ 78، و”الموسوعة الفقهية الكويتية”: 10/ 102].
-ومن القائلين بتحريمه من الحنابلة: (أحمد البهوتي، ت1051هـ). [ينظر “الفواكه العديدة” : 2/ 78].
-هذا، ويجدر التنبيه إلى أن اختلاف الفقهاء في حكم الدخان عند ظهوره وبداية انتشاره في العالم الإسلامي، وخاصة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجرين، إنما كان في (تحقيق المناط)، بمعنى أنهم كانوا متفقين على أن كل ما ثبت ضرره على البدن يحرم تعاطيه، كما تنطق بذلك أقوالهم، لكنهم اختلفوا في تنزيل هذا الحكم وتطبيقه على الدخان.
وإذا كان الاختلاف في حكم الدخان -فيما مضى- له ما يسوغه، لعدم التأكد من ثبوت ضرره عند الجميع، فليس له ما يسوغه في عصرنا، بعد إجماع الهيئات والمجامع الطبية في العالم على أنه مضر بالبدن ضررا مؤكدا ويقينيا، وأنه من أهم وأقوى أسباب الإصابة بسرطان الحنجرة والبلعوم والبنكرياس والرئتين، وقصور الدورة الدموية للقلب، وانسداد الأوعية الدموية في الأطراف، إلى غير ذلك من الأوصاب الفتاكة المهلكة، وأن ضرره يتعدى متعاطيه إلى جلسائه من أقاربه وخلاّنه وعشرائه، وإلى كل من يكون حوله من الناس!!، وتفيد تقارير (منظمة الصحة العالمية) أنه ثاني أكبر سبب للوفيات في العالم، وأن حوالي خمسة ملايين من البشر يموتون بسببه سنويا !! ، لذلك باتت شركات تصنيعه ملزمة بأن تكتب على علب السجائر أنها ضارة بالصحة !!.
ومن المعلوم بداهة أن إثبات الضرر أو نفيه في (الدخان) وما يماثله من المحدثات التي يُحكَم عليها بآثارها ونتائجها ليس من شأن الفقهاء، بل من شأن الأطباء، فهم أهل الاختصاص والخبرة في ذلك…
وما دام قد تأكد -طبيا- أن الدخان مضر بالبدن ضررا محقّقا، ومضر بالمال، بتبذيره فيما لا ينفع في العاجلة والآجلة، بل يضر فيهما معها، ومضر بالنفس، بسبب الاعتياد على هذه الآفة الخبيثة، حيث يصير المبتلى بها ضعيف الإرادة بل وأسيرا لها…!!
أقول: بعد التحقق من (الضرر البدني) و(المالي) و(النفسي) للدخان، صار محرما شرعا.
ولو أن الفقيه المالكي (علي الأجهوري) الذي نقل عنه صاحب الفتوى وصفه لمن يحرم الدخان بإطلاق بأنه ليس له عقل شرعي ولا عقل طبيعي!!! لو أن هذا الفقيه وغيره من فقهاء المذاهب الذين أباحوا شرب الدخان عقب ظهوره عاشوا في عصرنا واطلعوا على ما اطلعنا عليه من أضرار التدخين البالغة وآثاره المهلكة، لما وسعهم إلا الاتفاق على تحريمه؛ لأن الأصل في المهالك والمضار الحرمة والمنع على الإطلاق، لقول الله تعالى في سورة البقرة: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، ولقوله سبحانه في سورة النساء: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) ، ولقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح بمجموع طرقه: (لا ضرر ولا ضرار)، وللنهي عن التبذير وإضاعة المال في آيات كثيرة، منها قوله تعالى في سورة الإسراء: (ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا)…
وخلاصة القول: أن الدخان محرم شرعا، فلا يجوز تناوله،ولا تصنيعه،ولا الاتّجار فيه: بيعا أو شراء…
وعليه، فإن الفتوى الأخيرة، المتعلقة به والمثيرة للجدل، متسرعة ومتعجلة وغير سديدة، ومن شأنها أن تدخل على العامة شغبا في أنفسهم وحيرة في دينهم، فوجب إعادة النظر فيها وتصحيحها…
والله الموفق للصواب والهادي إلى سواء السبيل.
وحرر بتاريخ: 16 رجب 1447هـ الموافق ل 12 يناير 2026م





