رأي

تدبر آية في فجر الجمعة(302) السلف إحسان تعبدي وتضامن اجتماعي

رضوان ابن شقرون

انطلاقا من قول الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ اِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَابَ كَاتِبٌ اَنْ يَّكْتُبَ، كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ، وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً، فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاًاَوْ ضَعِيفاًاَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُّمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ، وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ، فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ اَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَى، وَلاَيَابَ الشُّهَدَاءُ اِذَا مَا دُعُوا، وَلاَ تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراًاَوْ كَبِيراًاِلَى أَجَلِهِ، ذَلِكُمُ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا، إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَلاَّ تَكْتُبُوهَا، وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ، وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ، وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴿282﴾﴾
هذه الآية تسمى آية الدَّيْن لأنها تقنن معاملة التداين بين الناس، أي اقتراض الأموال عند الضرورة، باعتبار القرض أو السلف صورةً من صور التعامل الاقتصادي المباحة، بل هو إحسان تعبدي وتضامن اجتماعي؛ وتقنينه في هذه الآية الكريمة يحمي للدائن حقه في ماله الذي سخره في سبيل الله، لأن القرض في شرعنا إنما هو لله وفي سبيل الله وليس طمعا في ربى ولا استغلالاً للتضخم المالي الذي فرضته المعاملات البشرية بجشعها المفرط وطمعها المتزايد، ويضمن للمدين كرامته وعزة نفسه ويوفر له نفسية قانعة مستعدة لرد الحق إلى صاحبه باطمئنان وأريحية.
فالآية تأمر بتقييد السلف مصلحةً للطرفين، وحجةً عند الاقتضاء، فتأمر بأن يحرِّر عقدَ الاقتراض عدلان تقيان موثقان ضابطان، ويشهده شاهدان رجلان، ويمكن أن تتولى الإشهاد على العقد نساء بالشروط التي لها مبرراتها الشرعية والنفسية والاجتماعية، والقصد من ذلك كله، والله عز وجل أعلم بقصده، القِسطُ، أي العدل عند اللَّه، والإشهاد على المعاملات لضبطها، ونفي أي شك أو خوف من ضياع الحقوق، ولذا قال تعالى: (ذَلِكُمُ)، أي ذلك الأمر بكتابة الدين والإشهاد في المعاملات المادية الكبرى، (أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا)؛ ويستثنى من الأمر بالتوثيق والإشهاد المعاملاتُ التجارية السريعة التي تعتمد على الثقة بين الناس ولا تحتاج إلى توثيق ولا إشهاد، تيسيراً للتعامل المادي وتخفيفاً، وزرعاً لبذور الثقة الواجب توافرها بين أفراد المجتمع.
وأما القيمة المادية للأموال في شرع الله، وأما أجل قضاء الدين فلا دخل لهما في القيمة المادية الفعلية لمبلغ القرض لا أداءً ولا قضاءً، لأن هذه المعاملة، وهي السلف، قائمة على المعروف والتضامن لا على استغلال فقر الفقير ولا على طمع الغني، وإنما الفقير يعفّ ولا يستقرض إلا عند الحاجة، فإذا استقرض رد القرض إلى صاحبه في أجله، والغني يُقرض ممارسةً لرسالته الإيمانية والاجتماعية والإنسانية التي هو موجود من أجلها، والتي تدخل في الغاية الكبرى من وجوده ألا وهي عبادة الله بإيمان ويقين، وأما الأرقام الحسابية في أموال القرض فتعتبر أمراً ثانوياً لا علاقة له بالرزق المقسوم والنصيب المقدر للمخلوق من الكسب، وإذا تضخمت المادة وتُخُيِّلَ أن في القرض ضياعاً، فإن ما يجنيه الغني من أجر مؤاساة الفقير وثواب سلفه ما يقضي أربه أو ييسر أمره أكثرُ وأنفعُ له من زيادة أرقام في حسابه المصرفي، ولذا خَتمت الآية هذا التشريع الرباني الرحيم العادل بالأمر بالثلاث المهمات: تقوى الله بإخلاص، واليقين بأن الله عالم بالنيات والمقاصد، والاستعداد للحساب والجزاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى