رأي

التغطية الرياضية تحت المجهر: بين مهنية صحفيي الجزيرة واختلالات beIN Sports في نقل كأس إفريقيا بالمغرب

عبد الله مشنون كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.

لم تمرّ التغطية الإعلامية المصاحبة لمباريات كأس الأمم الإفريقية المقامة بالمغرب دون أن تثير نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الإعلامية والرياضية، سواء على المستوى المغربي أو العربي. وهو نقاش مشروع، بل صحي، ما دام يندرج ضمن مساءلة الأداء الإعلامي، لا في إطار التشكيك أو الاصطفاف المسبق.

ومن المهم، في هذا السياق، التمييز بين المؤسسات الإعلامية، وعدم التعامل معها ككتلة واحدة، لأن الخلط بين الخطوط التحريرية يُفضي إلى أحكام عامة تفتقر إلى الدقة.

ففي ما يخص قناة الجزيرة، لا يمكن إنكار المجهودات المهنية التي بذلها عدد من صحفييها ومراسليها المتواجدين ميدانيًا في المغرب، سواء من حيث نقل أجواء المباريات، أو مواكبة التفاعل الجماهيري، أو إبراز الجانب التنظيمي والإنساني المصاحب للبطولة. وقد قدّم هؤلاء الصحفيون، في مناسبات عديدة، تغطية متوازنة، التزمت بالمعايير المهنية، ونقلت الصورة كما هي على الأرض، بما لها وما عليها، وهو ما يُحسب لهم ويجب التنويه به.

غير أن الإشكال الحقيقي برز، أساسًا، في بعض المواد التحليلية والتعليقات المرتبطة بـ beIN Sports، حيث بدا الخطاب في لحظات متعددة مشوبًا بانتقائية واضحة في تناول الأحداث. فبدل التركيز على التقييم الشامل المبني على مؤشرات موضوعية، جرى تضخيم جزئيات هامشية – كتأخير محدود، أو قرار تحكيمي جدلي – وتقديمها باعتبارها دلائل على اختلال بنيوي، في تجاهل شبه كامل للمعطيات الأساسية التي يعتمدها أي تقييم مهني للبطولات القارية.

ومن بين هذه المعطيات التي لا تقبل الجدل:

الإشادات الرسمية الصادرة عن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بشأن التنظيم

شهادات وفود المنتخبات واللاعبين حول جودة الملاعب ومرافق الإقامة

الانضباط الأمني والتنظيمي داخل المدن المستضيفة

الحضور الجماهيري القياسي، والأجواء الرياضية السلمية

وهي مؤشرات معيارية معتمدة دوليًا، ولا يمكن اعتبارها تفاصيل ثانوية. وتجاهلها، أو المرور عليها بشكل عابر، يطرح علامات استفهام مشروعة حول منطق الانتقاء التحريري، ومدى الالتزام بالإنصاف في تغطية تظاهرة بحجم كأس إفريقيا للأمم.

إن خطورة هذا النوع من التغطية لا تكمن فقط في محتواه، بل في تأثيره الواسع. فشبكات بحجم beIN Sports تُشكّل مصدرًا أساسيًا لتلقي المعلومة لدى جمهور عربي واسع، وعندما تُقدَّم قراءة انتقائية على أنها تحليل مهني، يتحول الإعلام من ناقل للواقع إلى صانع سردية قد لا تعكس حقيقة ما يجري على الأرض.

وهنا لا تقتصر الإساءة على بلد منظم، بل تمتد إلى كرة القدم الإفريقية ككل، عبر إعادة إنتاج خطاب قديم يُشكك في قدرة القارة على التنظيم، بدل الإسهام في ترسيخ صورة أكثر توازنًا وعدلًا عن تطور بنيتها الرياضية.

ومن موقعي كصحفي مقيم في إيطاليا، تابعت باهتمام كيف تناولت عدة وسائل إعلام إيطالية كبرى تنظيم كأس إفريقيا بالمغرب، حيث جاءت التغطية في مجملها إيجابية، ومشيدة بالمستوى العالي للاحتراف، سواء من حيث البنية التحتية، أو جودة الملاعب، أو الانضباط الأمني، أو سلاسة التنظيم. بل إن أحد الصحفيين الإيطاليين علّق خلال نقاش تلفزيوني قائلاً: «شاهدوا التنظيم في المغرب، لسنا في الولايات المتحدة»، في إشارة واضحة إلى مستوى المشاريع الرياضية وجودتها.

وهي شهادة خارجية محايدة تكشف الفجوة بين ما تلتقطه أعين الإعلام الدولي، وما تقدّمه بعض القراءات العربية الانتقائية.

إن الرياضة لا تنفصل عن الأخلاق المهنية. والنقد، حتى يكون ذا قيمة، يجب أن يكون متوازنًا، شاملًا، ومسنودًا بالوقائع. أما الانتقائية، مهما تلحّفت بلغة التحليل، فإنها تُفقد الخطاب مصداقيته.

كأس إفريقيا بالمغرب، بما راكمه من مؤشرات نجاح تنظيمية وميدانية، أكبر من أن يُختزل في قراءة مبتورة أو تعليق منحاز. والتاريخ الرياضي لا يُكتب بالصوت الأعلى، بل بما تثبته الوقائع على الأرض.

ويبقى المشاهد، في النهاية، مدعوًا إلى طرح السؤال الجوهري:
من يقدّم الصورة كاملة؟
ومن يختار منها ما يخدم سردية بعينها؟

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى