رأي

ما بين “باب العلم” وضجيج الملاعب: قراءة في ترتيب الأولويات

بقلم كمال عصامي صحفي

في الموروث الفكري الإسلامي الذي تشكلت عليه هوية المجتمع المغربي، ثمة قاعدة ذهبية بوب لها الإمام البخاري في صحيحه: “باب العلم قبل القول والعمل”. هذه ليست مجرد عبارة فقهية، بل هي فلسفة بناء حضارة؛ فالإيمان بلا علم عاطفة قد تضل، والعمل بلا علم تخبط قد يفسد أكثر مما يصلح. لكن المتأمل في الواقع المعاصر، يجد أن هذه الهرمية قد قُلبت، لتصبح “الكرة” أو “الفرجة” هي القمة، بينما يتذيل “العلم” قائمة الاهتمامات.

1. العلم كفريضة غائبة

حين يتم تأجيل الامتحانات أو تهميش القضايا التعليمية الكبرى مقابل أحداث رياضية أو ترفيهية، فإن الرسالة الضمنية التي تصل للأجيال هي: “أنتم لا تحتاجون للعلم لكي تنجحوا أو تبرزوا”. هذا التوجه يضرب في صميم “الجدوى من التعليم”. فالعلم في أصله هو الأداة التي تعصم الأمة من الجهل والتبعية، وهو “الفرض” الذي يسبق كل نافلة، بما في ذلك الترفيه.

2. صناعة “التفاهة” وتهميش “المتعلم”

إن الصعود الصاروخي لـ “المؤثرين” على حساب العلماء والمتعلمين ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج لبيئة لم تعد تحتفي بالجهد الذهني. عندما يرى الشاب أن “الكرة” أو “صناعة المحتوى التافه” تحقق الثروة والوجاهة الاجتماعية في شهور، بينما يقضي طالب العلم عقوداً بين الكتب لينتهي به المطاف في وضع مادي ومعنوي هش، فإننا نكون بصدد عملية “تجفيف لمنابع النبوغ”.

3. الدولة والمجتمع: مسؤولية مشتركة

لا يمكن إلقاء اللوم على الحكومة وحدها، رغم مسؤوليتها السياسية في جعل التعليم أولوية وطنية قصوى، بل إن المجتمع أيضاً يتحمل قسطاً. فالمجتمع الذي يملأ الملاعب ويهجر المكتبات، والذي يحتفي باللاعب وينسى المعلم، هو مجتمع يساهم في صياغة مستقبله بشكل غير واعٍ.

“إن الأمة التي تُقدم أقدام لاعبيها على عقول مفكريها، هي أمة تراهن على لحظات عابرة من النشوة مقابل سنوات من التخلف.”

4. العودة إلى الأصل: العلم أساس الوجود

إن استحضارك لآية “فاعلم أنه لا إله إلا الله” هو استحضار للمنهج الصحيح. فالله عز وجل لم يقل “آمن” أولاً، بل قال “اعلم”. العلم هو البوابة الوحيدة لنهضة حقيقية. إن إصلاح التعليم لا يبدأ فقط بالميزانيات، بل بتغيير “الذهنية” التي ترى في التعليم عبئاً، وفي الرياضة منقذاً.


ختاماً: إن الأزمات التي نعيشها في التعليم هي انعكاس لأزمة قيم. ولا يمكن للمغرب، أو أي بلد يطمح للريادة، أن يحقق نهضة حقيقية بأقدام تجري في الملاعب وعقول تركن إلى الجهل. العلم ليس خياراً ثانوياً، بل هو ضرورة وجودية تسبق القول والعمل واللعب.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. للأسف موجة الملاعب والتفاهة واعتبار أقوال اللاعبين والتافهين أو حتى الفنانين الذين يخوضون في قضايا بعيدة عنهم أصبح يتصدر السوشل ميديا ومواقع التواصل.
    لقد حصلت طفرة موجعة في النسيج المجتمعي بين العلم وأهله وضجيج الملاعب ومحتويات التفاهة ولابد أمام المسؤولية الدينية انطلاقا من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ” أن يعيد ترتيب الأولويات واحترام المنظومة المجتمعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى