رأي

المشهد العام للفقه السياسي في فكر الدكتور أحمد الريسوني

بقلم الدكتور الحسن الباز

يتجلى من تتبع النظر الاجتهادي للدكتور أحمد الريسوني في قضايا السياسة الشرعية من خلال دراسة موسعة حضور الشأن المقاصدي باعتباره شعبة من أصول الاجتهاد والدرس الأصولي عامة، ولعل ذلك من أهم العوامل التي جعلت كثيرا من رؤاه واختياراته في السياسة الشرعية متحررة من بعض قيود التراث الفقهي، بالقدر الذي جعلت هذه الاختيارات أيضا غير مكترثة كثيرا بالمقارنات المعاصرة مع النظريات الفلسفية والتجارب الوضعية في التقعيد القانوني والممارسة السياسية في ظل المركزية الغربية المهيمنة على توجيه تفكير النخب الفكرية المعاصرة وتدبير النظم السياسية الحديثة.
ولا شك أن الاهتداء بهذه المقاصد يفيد فقيه السياسة الشرعية ومشرعها عند تقنين أو تعديل كثير من أحكامها سواء في حماية الحقوق وإقامة القسط أو في السياسة الشرعية الاجتماعية العامة من فكرية وإعلامية وتعليمية، لما تكتسيه الصبغة الروحية والأخلاقية من أهمية في حياة المواطن المسلم، بعكس ما تتجه إليه السياسات الوضعية من إقصاء لهذه الأبعاد،
وتشوف إلى ضبط المجتمع وعلاقاته الداخلية والخارجية بالرادع السلطاني القانوني دون الوازع الروحي الديني.
وإذا كانت بعض مجالات السياسة الشرعية أكثر حضورا من غيرها في إنتاج الرجل، مثل الجوانب الدستورية والمالية والتنظيمية، إلا أن المعالم العامة لمنهجه الاجتهادي تعد مسالك مكن تطبيقها في مجالات أخرى أقل حضورا في إنتاجه، مثل المجالات التربوية والفكرية والثقافية والاجتماعية.
وهذا في حد ذاته يعتبر مؤشرا يمكن استعماله في تقويم تجارب المشاركات السياسية للحركات الإسلامية في البلدان التي أتيحت فيها تجارب هذه المشاركة. فصناعة أفكار المجتمع وتوجيه قيمه وتهذيب أذواقه كلها مسالك سلسة لتقويم منظومته السياسية. إلا أن عوامل أخرى أكثر تعقيدا ومفاجأة قد تؤثر على هذا التبسيط المنطقي والطبيعي. ولعل منها عدم الانسجام الكافي بين من يتحمل العبء في التنظير لتجديد الدين وإقامته، ومن تسوقه الأقدار لتبني المشروع وتنزيله، والتعامل مع إكراهات ملاءمته، ومتاعب تنفيذه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى