حين تتحول كرة القدم إلى واجهة لتفريغ جماعي للحقد ضد المغرب (درس نهائي كأس أمم إفريقيا 2025)
ذ:هشام امساعدي كاتب وباحث

أجمع كافة الخبراء والمراقبين لبطولة كأس أمم إفريقيا على أن النسخة التي احتضنها المغرب بين 21 دجنبر 2025 و18 يناير 2026 هي الأفضل في تاريخ كأس إفريقيا، وأن دولة المغرب أرهقت من سيتقدم بعدها من الدول بطلبات تنظيم البطولة في المستقبل بهذا المستوى العالي من التنظيم والإدارة. ذلك أن هذه النسخة حطمت كل الأرقام القياسية المسجلة في النسخ القارية السابقة، من حيث: البنية التحتية (عدد الفنادق المصنفة، جودة الملاعب المستضيفة، وعدد ملاعب التدريب المخصصة للمنتخبات المشاركة)؛ وفرة وسائل النقل وسهولة التنقل بين المدن؛ الأمن؛ تطور الخدمات؛ عدد الجماهير؛ عدد الأهداف المسجلة؛ نسب المشاهدة للمباريات المنقولة؛ ارتفاع عدد الرعاة الرسميين للبطولة بدخول ست علامات تجارية عالمية جديدة… فضلا عن حفاوة الاستقبال لكل الجماهير التي حجت من شتى أنحاء العالم لتشجيع منتخباتها.
ففي ظل أجواء احتفالية مميزة، تحولت شهادات الجماهير وارتسامات اللاعبين وتغطيات المراسلين والصحفيين خلال الأيام الأولى من البطولة إلى دعاية عفوية لمستوى التطور العمراني والرياضي الذي شهده المغرب خلال العقدين الأخيرين. كما تحول عدد من الوافدين إلى مشاركين في إنتاج المحتوى والتفاعل معه عبر منصات التواصل الاجتماعي. وهو ما خلق انطباعا إيجابيا عن المغرب كبلد مستقر يشق طريقه بثبات نحو التقدم والازدهار بشمال إفريقيا، وسينعكس إيجابا على مناخ الأعمال ببلادنا في المستقبل، كما انعكس على القطاع السياحي في الحاضر، حيث سجل القطاع السياحي بالمغرب مستويات قياسية غير مسبوقة في عدد الوافدين، باستقباله حوالي 20 مليون سائح في فصل يتراجع فيه عدد السياح كفصل الشتاء. ولا شك أن هذا الانطباع الإيجابي أغاض جهات عربية وإقليمية كثيرة، فحركت أدرعها الإعلامية القذرة لتلويث المشهد الجميل، وانتظار الأخطاء التحكيمية الصغيرة لممارسة هواية التزلج على جليد التحريض، وتفريغ مكبوتاتها السياسية ضد المغرب.
في هذا السياق، نفهم لماذا رافق البطولة الأنجح في تاريخ كأس إفريقيا، كل هذا اللغط حول الكولسة الموجهة ضد “فوزي لقجع”، وتدخله في قرارات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم لإدارة المباريات من حيث التوقيت، وتعيين الحكام، وفرض العقوبات… إذ لاحظ الجميع أنه كلما تقدم المنتخب المغربي في أطوار المنافسات، كلما رفع الحاقدون من مستوى التلاعب الذهني بمزاج الجماهير العرب إفريقية، التي تحب سماع ما تريد ولا تحب سماع الحقيقة. والحقيقة هي أن المغرب قدم للعالم نموذجا يحتذى به في التنظيم والتطوير القاعدي للرياضة، ويليق بسمعة قارة إفريقيا. ومع دخول البطولة مرحلة الأدوار الإقصائية كثَّف الحاقدون من حملات الترويج لتهمة شراء الحكام، حتى أدخلوا الشك في نفوس الجميع: مسؤولين وحكاما ومحللين رياضيين…
هكذا تم تنميط الخطاب الرياضي على مراحل! تشعر بأن جهات معادية تغذي ثقافة الاحتجاج والتشكيك في نزاهة البطولة، وتقف وراء تصريحات المدربين والأجهزة الفنية تُلقِّنهم الأفكار ذاتها قبل وبعد المباريات أمام منتخبنا الوطني، إلى حد صار معه كل منتخب سيواجه المغرب يردد الأسطوانة نفسها: التعبير عن القلق الزائد من التحكيم، ومن الطريقة التي تدار بها المباريات. وصار كل منتخب يخرج من المنافسات يتهم البلد المنظم بالتواطؤ ضده لتعبيد الطريق أمام المنتخب المغربي للفوز بالبطولة، رغم الأداء الرجولي الذي قدمه أسود الأطلس بشهادة المحللين الرياضيين.
وفي هذا السياق أيضا، نفهم كيف اشتغلت أيادٍ خفية وأخرى معلومة على زرع الكراهية والتفريق بين شعوب المنطقة، وعلى تلويث المشهد الختامي، بعد فقدان منتخباتها الأمل في التنافس على الكأس. ففي سابقة من نوعها، شهدت هذه البطولة نهاية سريالية من المنتخب البطل، وأساءت كثيرا إلى صورة القارة السمراء، وإلى المستوى التقني الكبير الذي قدمته المنتخبات الإفريقية، بعد أن رفض لاعبو منتخب السنغال مواصلة اللعب بإيعاز من مدربهم “بابي ثياو”، الذي طلب منهم مغادرة الملعب ــ بشكل مؤقت ــ احتجاجا على ركلة جزاء احتسبها الحكم لصالح المنتخب المغربي في الأنفاس الأخيرة.
وأعتقد أن هذه النهاية السريالية لم تَحْرِم المغاربة فقط من لذة التتويج باللقب القاري الثاني بعد 50 سنة من الانتظار، بل أوقفت إحساسهم بالسعادة والفرحة بنجاح التنظيم في لحظة سريعة طغى فيها الخبث الكروي (المغلف بالسياسة) على الروح الرياضية. وأعتقد أيضا أن اللاعبين المغاربة فُرض عليهم التنازل عن ضربة جزاء صحيحة إنقاذا لسمعة “الكاف”، وسمعة البطولة من عار وهمي لا يوجد إلا في مخيلة الأقلام الحاقدةـ ودهاليز الإعلام الرسمي المعادي، والذي أراد قتل شرف التنظيم الجيد في عقول شريحة كبيرة من الجماهير العاشقة لكرة القدم، ليُحِيِيَ عار النزاهة في النفوس المريضة.
وبعد تمديد المباراة إلى شوطيها الإضافيين، استفاق المغاربة من حلمهم الجميل على مرارة ضياع الكأس وفق سيناريو محبوك، وبطريقة موغلة في القذارة والوساخة، واتضح لهم أن الأعداء والحاقدين كَبُرَ عليهم أن يروا المغرب ناجحا في التنظيم وناجحا في التتويج باللقب، لأن التتويج بالبطولة سيتحول إلى انتصار رمزي للمغرب المجتهد في محيط مضطرب ومتوتر. وأي نجاح للمغرب المجتهد هو بالضرورة هزيمة للخصوم والأعداء الذين يتذيلون الترتيب.
شمته نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 كان وَقْعُهَا على المغاربة كبيرا، لكنها علمتنا دروسا كثيرة في السياسة وإدارة المعارك إعلاميا، نستفيد منها في مونديال 2030 القادم بإذن الله، وأهم هذه الدروس:
أولا ــ أن الإعلام الرياضي لا ينفصل عن الإعلام الرسمي في المواقف والتوجهات الكبرى للدول العرب إفريقية التي شكَّل لها المغرب عقدة نفسية، وخاصة دولة الجزائر ودولة جنوب إفريقيا. ولاحظنا جميعا كيف استطاع الإعلام الرياضي المغلف بالسياسة صرف أنظار الجماهير عن كل معايير النجاح التي ميزت هذه النسخة، نحو معيار واحد مطعون فيه مسبقا يتعلق بنزاهة الفوز لدى البلد المنظم، حتى قبل وصول منتخبنا الوطني إلى المباراة النهائية. فما بالك لو كُتِب له الفوز بهذه الكأس.
ثانيا ــ أن الرياضة مثل السياسة، لا تنبني دائما على قواعد التنافس الشريف واللعب النظيف، ولا تُكافِئ دائما الإنسان المجتهد في الميدان، لأن هناك جهودا أخرى تُبذل خارج الميدان من أشخاص قذرين تصف ألسنتهم الكذب، لإيقاف السعي نحو المصير الذي خَطَّ المجتهدُ سطورَه بيده. وأول أدوات التدمير الاستخدام المنظم والمغرض لوسائل الإعلام للتأثير في القناعات، وتحطيم ما بقي من إرادة ومشاعر إيجابية للمضي قدما في طريق النجاح. فالمغرب حورب ليس لأنه غش في المنافسات، بل لأنه أقلع، وحين أقلع أبدع، وحين أبدع أقنع. المغرب حورب لأنه بذل جهدا كبيرا في بناء عوامل القوة الرياضية اعتمادا على الأطر الوطنية، وصار نموذجا تطالب به الجماهير الذواقة في البلدان العرب إفريقية، وهذا ما أحرج حكوماتها البئيسة أمام شعوبها.
ثالثا ــ أن المجتمعات المأزومة ــ ومنها المجتمعات العربية والإفريقية ــ من النادر أن تُنتج لنا إنسانا سويا يفكر، ويُقَدِّر الإنجازات المحلية التي نَحَتَتْهَا الكفاءات الوطنية من صخر، بل تُنتج إنسانا مشغولا بغيره، يكره النجاح ويبحث عن الفشل. فإذا حدث أن اجتهد يوما، فإنه لن يبحث عن مسالك أخرى للنجاح وتطوير الذات، بل يجتهد في التخطيط لإرباك المجتهد، وتقزيم دوره تارة باستعمال القياس على نجاحات سابقة، وتارة باختلاق جوانب كثيرة من النقص والتقصير، وتارة ثالثة بالتشكيك في نزاهة النجاح نفسه. ومعلوم أن الإصرار على الاتهام أخطر مئات المرات من التهمة نفسها، لأن الإصرار على اتهام المجتهد المكافح هو دفاع عن الإخفاق، وتقوية للذات على حساب تقزيم الآخر. إن الغرض من الإصرار على اتهام المغرب بعدم النزاهة هو وَأْدُ المحاولة، والقتل الرمزي لإمكانية الوصول والنجاح اعتمادا على النفس.
رابعا ــ أننا أمة تعشق الإنجاز، وتكره أن يكون عربيا. ماذا لو أن دولة غير عربية قدمت ما قدمه المغرب في هذه النسخة، هل كانت هذه الكمية من الحقد ستطفو على السطح من الشعوب العربية؟ شعوب عرب إفريقيا التي خرجت تحتفل بفوز السنغال ليلة الأحد، لم تشجع السنغال حبا فيها، بل ضدا في المغرب لأنه دولة عربية. فعوض أن يستفيد مَنْ نحسبهم إخوة لنا في العروبة والدين والجغرافيا مِنْ تجربة المغرب الرائدة في تطوير منظومة كرة القدم ببلدانهم، حركوا أدرعهم الإعلامية للنيل من سمعة المغرب وإنجازاته الكروية، وبحثوا بمجهر ضوئي عن الأخطاء التحكيمية والتنظيمية لتضخيمها، وعن كلمات التقصير القليلة بين فصول التميز الكثيرة. فلما لم يجدوا عيبا في العريس، لجأوا إلى الطعن في شرف العروس.
مخطئ من يظن أن الكأس الغالية سُرقت منا داخل الملعب، بل سُرقت منا بالنباح خارج الملعب، قبل أن تتم تزكية السرقة بالصراخ داخل الملعب في مشهد كاد يحول العرس إلى مأتم. وهو ما يدعو الدولة المغربية إلى تقوية جبهة الدفاع الداخلية سياسيا واجتماعيا وإعلاميا… وذلك لقطع الطريق أمام الأعداء الذين يتربصون بنا، ويسعون إلى زعزعة الاستقرار الوطني.
تيط مليل في: 21/01/2026




