رأي

خصوم المرأة في الفضاء العمومي ملاعب كرة القدم نموذجًا.

مقدمة:

لطالما كان الفضاء العمومي بمفهومه الواسع الذي يشمل الشوارع، والمدارس، ووسائل النقل، وأماكن العمل، والملاعب الرياضية ساحةً للتفاعل الاجتماعي والسياسي والثقافي. ومع تطور المجتمعات وتوسع مفاهيم المواطنة والمساواة، برزت المرأة كفاعلٍ لا يمكن تجاهله في هذا الفضاء. ومع ذلك، لا تزال هناك قوى وتيارات ومؤسسات تُقاوِم حضورها، وتُشكّك في شرعيته، بل وتُعلن صراحةً عداءها لمشاركتها.
ومن أبرز الساحات التي تتجلى فيها هذه المواجهة: كراسي ومدرجات ملاعب كرة القدم، حيث تتحول المباراة أحيانًا إلى ميدانٍ رمزي لصراعٍ أوسع حول الهوية، الأخلاق، والسلطة.
في هذا السياق ، نستعرض بايجاز خصوم المرأة في الفضاء العمومي، مع التركيز على ملاعب الكرة كحالة دراسية، من خلال تحليل الأسباب، الآليات، والخطابات المستخدمة، فضلاً عن ردود الفعل المجتمعية والحقوقية.

أولاً: مفهوم الفضاء العمومي وحضور المرأة فيه:

1. التعريف النظري:

الفضاء العمومي (Public Space) هو المجال الذي يلتقي فيه الأفراد من خلفيات اجتماعية وثقافية متنوعة، ويتبادلون الآراء، ويشاركون في الحياة العامة. وقد عرّفه الفيلسوف يورغن هابرماس بأنه “ميدانٌ للنقاش العقلاني حول القضايا المشتركة”.

2.المرأة والفضاء العمومي تاريخٌ من الاستبعاد:

تاريخيًا، تم تقييد حضور المرأة في الفضاء العمومي تحت ذرائع دينية، أخلاقية، أو حفاظًا على النظام الاجتماعي كما يدعى . وقد جُسّدت هذه الرؤية في تقسيم صارم للفضاء العمومي بين فضاء خاص (المنزل) أي مخصص للمرأة، وفضاء عمومي (السوق، السياسة، الرياضة) أي مخصص للرجل.

3. التحولات الحديثة:

مع موجات التحديث، وحركات حقوق المرأة، وانتشار التعليم، بدأت المرأة تطالب بحقها في الحضور الكامل في الفضاء العمومي، بما في ذلك المشاركة كمتفرجة أو لاعبة في الأنشطة الرياضية.

ثانيًا: ملاعب الكرة كفضاء عمومي متنازع عليه:

1. رمزية ملعب الكرة:

ملعب الكرة ليس مجرد مكان لممارسة رياضة، بل هو فضاء ثقافي يعكس قيم الجماعة (الولاء، الشرف، التنافس) و فضاء سياسي يُستخدم أحيانًا للتعبير عن الهوية الوطنية أو المعارضة.و فضاء جندري يُنظر إليه تقليديًا كـحصن ذكوري ، حيث تُمارس الذكورة عبر التشجيع العنيف، و الخطاب العدواني، والتمييز الجنسي.

2. منع المرأة من دخول الملاعب:
واقع في بعض الدول رغم أن معظم دول العالم تسمح للنساء بدخول الملاعب، إلا أن بعض الدول خاصة في مناطق الخليج العربي ظلت تمنع هذا الحق لعقود، بحجج منها الرغبة في الحفاظ على الآداب ووجود ألفاظ نابية في التشجيع كما يوجد اختلاط الجنسين مع عدم ملاءمة البيئة للمراقبة الأخلاقية. وكمثال بارز في المملكة العربية السعودية، لم يُسمح للنساء بدخول الملاعب كمتفرجات إلا في يناير 2018 ، بعد قرار رسمي ضمن “رؤية 2030”.

ثالثًا: خصوم المرأة في الفضاء العمومي أنواعهم وخطاباتهم:

1. الخصوم المؤسسيون ، وهم الجهات الرسمية أو الدينية التي تصدر قرارات أو فتاوى تمنع مشاركة المرأة وحججهم في هذا المنع غالبًا ما تستند إلى تفسيرات محافظة للدين، أو مفاهيم” العار” و “العيب” و”الشرف”. ويكون الأثر واضحا في إضفاء شرعية قانونيةأو دينية على هذا التمييز.

2.الخصوم المجتمعيون:

وهم فئات من الجمهور (رجال ونساء) الذين يرون أن وجود المرأة في الملعب مخالف للتقاليد
فيتم استعمال آليات الإبعاد كالتنمر، والتصوير دون إذن، والتعليقات المسيئة، بل وحتى التهديد في بعض الأحيان. كما تطغى على هذا الخطاب جملا من مثل “المكان غير مناسب للنساء “، “تلفت الأنظار”، “تخرب الجو”.

3. الخصوم الثقافيون/الرمزيون:

وهم من يروّجون لفكرة أن الرياضة مجال ذكوري بحث، وأن المرأة تضعف من قدسية هذا الفضاء.كما يستعان في هذا الهجوم بالتمثيل الإعلامي الذي يصورالمرأة في الملعب كـ”غريبة” أو “مستفزة”. بالاضافة الى أسلوب السخرية باستخدام النكات أو الكاريكاتير لتهميش حضورها.

4. الخصوم السياسيون:

في بعض السياقات، يُستخدم منع المرأة من الملاعب كوسيلة للحفاظ على بنية سلطوية محافظة، أو كـ”ورقة ضغط” ضد الإصلاحات الاجتماعية.

رابعًا: أدوات المقاومة:

كيف تدافع المرأة عن حقها؟

1- بالنضال الحقوقي في إطار منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية (مثل هيومن رايتس ووتش، والجمعيات النسائية) حيث توثّق الانتهاكات وتطالب بالتغيير.
2- تعتمد على الاحتجاج الرمزي بدخول النساء سرًا إلى الملاعب ، وبتنظيم مباريات نسائية في الأماكن العامة مع تنظيم حملات على وسائل التواصل الإجتماعي ، كما تلجأ الى التمثيل الإعلامي المضاد حيث تظهر النساء كمراسلات رياضيات، ومحلّلات، ومشجعات نشيطات، الشيء الذي يُعيد تشكيل الصورة النمطية. وإذا كانت محظوظة تجد في الدعم الحكومي سندا ومعاونا كما حصل في بعض الدول مثلما حدث في السعودية والإمارات، حيث استُخدم القرار السياسي لفتح الملاعب أمام النساء كجزء من مشروع تحديث اجتماعي.

خامسًا: التحديات المتبقية حتى بعد “السماح”:

حتى بعد رفع الحظر الرسمي، تبقى تحديات حقيقية: كالتحرش اللفظي أو الجسدي داخل المدرجات بسبب غياب البنية التحتية المناسبة (دورات مياه، أماكن آمنة). كما يبقى الوصم الاجتماعي رائجا كقول الناس “المرأة التي تذهب الملعب غير محترمة”. ويزيد التهميش الإعلامي لها بسبب التغطيات المحدودة للرياضة النسائية.

سادسًا: رؤية إسلاميةمتوازنة:

فمن المهم التوضيح أن الإسلام لا يمنع المرأة من دخول الملاعب، مادامت تلتزم بالضوابط الشرعية (الحجاب، عدم الاختلاط المثير، السلوك اللائق).
بل إن النبي ﷺ أذن للنساء بحضور المساجد، والأسواق، وحتى المعارك (معتنيات بالجرحى). وقد قال ﷺ: “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله” (رواه أبو داود) ، فإذا كان المسجد وهو أطهر بقعة لا يُمنع من دخوله، فكيف يُمنع الملعب وهو أقل حرمة بحجة “الأخلاق”؟ فالمسألة إذًا ليست دينية بحتة، بل ثقافية واجتماعية ، تُلبَس لباس الدين. وإجمالا فإن خصوم المرأة في الفضاء العمومي لا يكرهونها لأنها امرأة فحسب، بل لأنهم يرون في حضورها تهديدًا لنظامٍ قائم على التراتبية الجندرية، وملاعب الكرة، رغم بساطتها الظاهرة، هي مرآة لهذا الصراع.
لكن التاريخ يشهد أن كل فضاءٍ أُغلق في وجه المرأة، فُتح يومًا ما. وكل صوتٍ نُعتَ “بالعيب”، أصبح لاحقًا صوتَ حرية.
فالمرأة ليست “غريبة” في الملعب، بل هي مواطنة تطالب بحقها في الفرح، والتشجيع، وإلا فمن يُعارض ذلك، لا يُدافع عن الأخلاق، بل يُدافع عن امتيازاته.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى